المتاحف تعيد تعريف تجربة الفن عبر حاسة الشم

المتاحف تعيد تعريف تجربة الفن عبر حاسة الشم
المتاحف تعيد تعريف تجربة الفن عبر حاسة الشم

المتاحف تستعين بحاسة الشم لإعادة تشكيل تجربة التلقي الفني

تتجه بعض المؤسسات الثقافية العالمية إلى توسيع طرق عرض الأعمال الفنية، متجاوزة الاعتماد التقليدي على حاسة البصر، من خلال إدخال حاسة الشم كوسيط تفسيري جديد.

ومن أبرز هذه التجارب معرض «القوة الخفية للروائح» المقام حاليًا في متحف كونستبالاست دوسلدورف في ألمانيا، حيث تُعاد قراءة المجموعة الدائمة للمتحف عبر الروائح.

يضم المعرض مئات الأعمال المتنوعة، من تماثيل دينية تعود إلى العصور الوسطى، ومنحوتات للمسيح، ولوحات للفنانين إرنست لودفيغ كيرشنر وكونراد كابهيك، إلى صور فوتوغرافية لإدوارد مويبريدج وكرسي Club Chair B3 (1927) الذي صممه مارسيل بروير. وترافق كل قطعة فنية رائحة صُممت خصيصًا لها، تُضخ في القاعات عبر أجهزة نشر، إلى جانب 27 محطة شم تتيح للزوار خوض ما يصفه المتحف بـ«رحلة حسية».

وقال قيّم المعرض، روبرت مولر-غرينو، في تصريحات عبر البريد الإلكتروني: «عندما نتوقف عن النظر إلى الرائحة كعنصر زخرفي، ونبدأ في اعتبارها معلومة ثقافية، فإنها تصبح وسيطًا يمكن من خلاله قراءة العالم وتفسيره بطرق جديدة». وأضاف أن استخدام الشم كأداة قيّمة «يفتح مسارات مختلفة للفهم، وينقل الزائر من المشاهدة السلبية إلى إدراك جسدي مباشر، لا سيما أن الروائح تترك أثرًا عاطفيًا فوريًا يصعب التعبير عنه بالنص أو الصورة وحدهما».

ويصادف الزائر في قاعات المعرض روائح متعددة، منها الأبخرة الناتجة عن حرق الراتنجات والأخشاب في الطقوس الروحية، ورائحة المر المرتبطة بالصلاة، وخلاصات صنوبر الألب السويسري، وحقول الياسمين المزهر، وصولًا إلى مزيج الفانيليا والقرفة والكراميل الذي يميز مشروب «كوكاكولا». وتتفاوت قوة هذه الروائح بين النفاذة والخفيفة، لكنها تشكل في مجملها تجربة حسية غامرة.

ويُعد قسم «رائحة الذاكرة – العطر والهوية في ألمانيا الشرقية» من أكثر أقسام المعرض تأثيرًا، حيث يعيد إحياء روائح شكلت الذاكرة الجمعية لألمانيا الشرقية الشيوعية، مثل عوادم سيارات «ترابانت» ثنائية الأشواط، وكريم «فلورينا» المستخدم على نطاق واسع في المنازل، ومنظفات الأرضيات المصنوعة من اللينوليوم. ويؤكد زوار عايشوا تلك المرحلة أن استنشاق هذه الروائح يمنحهم اتصالًا مباشرًا بتاريخ يصعب الوصول إليه بوسائل تقليدية.

وتشير الأبحاث العلمية إلى أن العلاقة القوية بين الشم والذاكرة تعود إلى الترابط العصبي بين البصلة الشمية واللوزة الدماغية (مركز العاطفة) والحُصين (مركز الذاكرة)، ما يجعل الروائح محفزًا قويًا للاسترجاع العاطفي. وقد عبّر الفنان آندي وارهول عن هذه الفكرة بقوله: «إذا استخدمت عطرًا واحدًا لثلاثة أشهر، أُجبر نفسي على التوقف عنه، حتى إذا شممته لاحقًا أعادني فورًا إلى تلك الفترة».

وفي السياق ذاته، توظف الفنانة الكولومبية ديلسي موريلوس حاسة الشم في معرضها المستمر «مادري» في متحف هامبورغر بانهوف ببرلين. يتكون العمل من بنية ضخمة تشبه المنزل، مصنوعة من تربة مضغوطة ومواد طبيعية مثل القش والقرفة والقرنفل والتبغ والعسل، ما يخلق أجواءً عطرية كثيفة تلامس الزائر جسديًا.

وجاء العمل في حوار مباشر مع منحوتات الفنان الألماني الراحل جوزيف بويز المعروضة في القاعة نفسها، ولا سيما عمله «محطة الترام» (1976)، الذي صممه كنصب تذكاري للسلام باستخدام مواد مرتبطة بالتاريخ والحرب. وتستحضر موريلوس، من خلال العسل تحديدًا، اهتمام بويز برمزيته كطاقة إبداعية، وبالنحل كنموذج اجتماعي وسياسي للتنظيم والتحول.

وقالت كاثرين نيكولز، قيّمة معرض «مادري»: «في الممارسات الفنية القائمة على الأرض، مثل عمل موريلوس، تساعد حاسة الشم على استدعاء العلاقة الجسدية الحميمة مع التربة والنباتات، فيتحول العمل من قطعة فنية منفصلة إلى جزء حسي من إطار بيئي وتاريخي أوسع». وأضافت أن هذه الأعمال «تسمح بتجربة موضوعات مجردة، مثل الحداد والتجدد والاستعمار والأمومة، بشكل جسدي وفكري في آن واحد».

ويعكس هذا التوجه، الذي ينقل التفسير من الذهني إلى الجسدي، تحولًا أوسع في طريقة تواصل المتاحف مع جمهورها. وتختتم نيكولز بالقول: «إذا كان تفكيك الإرث الاستعماري للمتحف يتطلب إعادة التفكير في ماهية المعرفة ولمن تُنتج، فإن الأعمال الحسية مثل أعمال موريلوس تخلق الشروط التي تجعل هذا التفكير ممكنًا وملموسًا في الوقت نفسه».

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بدل "تخطيط الوجبات".. مخزن صحي بـ15 أساساً يسهّل الأكل المتوازن
التالى حالات طبية نادرة وغريبة هزّت العالم في 2025… تعرّفوا إليها