مع التطوّر السريع لأدوات تحليل البيانات والمنصّات الرقمية، تجاوزت التكنولوجيا دورها التقليدي في دعم الابتكار أو تطوير قطاع الأعمال، لتصبح عنصرًا أساسيًا في معالجة العديد من الملفات الإنسانية المعقّدة.
وفي سوريَة، يبرز ملف المفقودين والمختفين قسرًا في عهد النظام السابق، بوصفه أحد أكثر الملفات التي تتطلب تدخلًا تقنيًا متقدّمًا، نظرًا إلى ضخامة عدد الحالات، وصعوبة الوصول إلى المعلومة أو التحقق منها.
وهنا يظهر الدور الكبير للتقنية: إذ يمكن لمنظومات تحليل البيانات الحديثة أن تحوّل آلاف الشهادات والصور والوثائق المتناثرة إلى سجلّ منظم قابل للبحث والتحليل والاستنتاج، كما أن تقنيات تعرُّف هويات الضحايا بواسطة فحص الحمض النووي للضحايا في المقابر الجماعية سوف يكون لها تأثير كبير في حسم الكثير من حالات المفقودين.
وفي ندوة حوارية أقيمت، حديثًا، في المتحف الوطني بالعاصمة السورية، دمشق، وحضرها مراسل “البوابة التقنية“، أوضحت المستشارة الإعلامية في الهيئة الوطنية للمفقودين، زينة شهلا، أن الهيئة التي شُكّلت بمرسوم رئاسي، تعمل على إطلاق منصة رقمية حديثة لتوثيق حالات المفقودين السوريين، تعتمد على معايير تقنية دقيقة وتنظيم منهجي للبيانات، بهدف تحويل الجهود الفردية والمصادر المتفرقة إلى قاعدة معلومات موحدة تساعد في بناء رؤية أوضح بشأن مصير المفقودين، وتدعم العائلات والباحثين والجهات المعنية في الوصول إلى الحقيقة.
لماذا تحليل البيانات ضروري في ملف المفقودين؟
- لربط مئات آلاف المعلومات المتناثرة: فبيانات المفقودين تأتي من مصادر متعددة، مثل شهادات عائلية، ووثائق من السجون والمعتقلات، إذ وثقت الهيئة الوطنية للمفقودين أكثر من 100 ألف وثيقة حتى الآن، بالإضافة إلى صور مسرّبة، وتقارير حقوقية، وقوائم منظمات دولية، وبناء على ذلك فإن تحليل البيانات يساعد على إدماج هذه الشظايا في ملف واحد مترابط لكل شخص، بما يسهّل رسم صورة أولية لمسار الاعتقال أو الاختفاء.
- لاستخراج أدلة رقمية ذات قيمة عالية: فالصور والوثائق تحمل غالبًا بيانات خفية (metadata) بشأن توقيت أو ظروف التصوير، ومن ثم فإن تقنيات التحليل قادرة على استثمار هذه البيانات لتحديد تسلسل زمني أو نمط معيّن في حالات الاختفاء، وهو ما يساعد الباحثين على تحديد مواقع محتملة للاحتجاز أو الربط بين مجموعات من الحالات.
- لتوجيه الجهود البحثية: فالتحليل الإحصائي يمكّن من تحديد “نقاط ساخنة” – مناطق أو أزمنة تركزت فيها حالات الاختفاء – مما يسمح للمنظمات والهيئات المعنية بالتركيز على مناطق محدّدة أو ملفات بعينها بدل البحث العشوائي.
- لدعم المساءلة والبحث القانوني: فالملفات المنظمة والموثّقة بشكل تقني تشكّل قاعدة يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا في أي تحقيقات أو جهود قانونية تتعلق بالاختفاء القسري، وعليه فإن البيانات الدقيقة والمترابطة هي أساس أي عملية مساءلة أو كشف للحقيقة.
عناصر تقنية أساسية:
تمثل المنصة المزمع إطلاقها خطوة غير مسبوقة في العمل المنهجي في هذا الملف، وتركّز على عناصر تقنية أساسية، منها:
- قاعدة بيانات موحدة تضم كل الحالات الواردة من مصادر مختلفة، إذ أكدت شهلا أن عمل الهيئة سوف يشمل جميع المفقودين في سوريَة سواء في زمن النظام السابق أو بعد سقوطه كما أنه سوف يتضمن كذلك مصير المفقودين من جراء الزلزال القوي الذي هزّ سوريَة في شباط/ فبراير من العام 2023.
- نموذج بيانات معياري يسمح بتخزين تفاصيل دقيقة حول كل مفقود: كالتاريخ، وآخر ظهور، وظروف الاختفاء، والأدلة المرتبطة، والصور، والوثائق، وغير ذلك.
- خوارزميات مطابقة ذكية تتيح الربط بين الحالات حتى عند اختلاف التهجئة أو وجود بيانات ناقصة.
- واجهة استخدام مخصصة للباحثين والصحفيين تتيح الحصول على معلومات دقيقة دون تعقيد تقني.
وتجعل هذه البنية المنصة أقرب إلى “مركز بيانات وطني للمفقودين”، وهو ما لم يكن متاحًا سابقًا ضمن إطار مؤسسي واضح، وفي هذا الصدد أكدت المستشارة الإعلامية للهئية، زينة شهلا، أن العمل لن يكون سهلًا وسوف يتطلب جهودًا كبيرة.
دور المؤسسات الوطنية والدولية:
اعتماد التكنولوجيا في توثيق وتحليل بيانات حالات المفقودين ليس خطوة محلية فريدة، بل جزء من نهج عالمي تتبناه منظمات مثل اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP) وبرامج الأمم المتحدة.
والجمع بين البيانات المحلية وجهود المنظمات الدولية يوفر منظومة أكثر دقة للتوثيق والتحليل، ويساعد على سدّ الثغرات ومقارنة السجلات على نطاق واسع.
والهيئة الوطنية للمفقودين، عبر منصتها المرتقبة، تقترب من هذا النموذج الدولي من خلال التركيز على التنظيم، والتحقق، والاعتماد على الأدلة الرقمية والتحليل الإحصائي، ومن ثمَ فإن تسليط الضوء على هذه التقنيات في سياقٍ إنساني يبرز كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُستخدم في القضايا المصيرية، بعيدًا عن السياسة أو الانحياز، ويعزز دور الإعلام التقني في تسليط الضوء على الابتكار الموجّه لخدمة الإنسان.
ويرى مراقبون أن بناء منصة وطنية موحدة للمفقودين واستخدام أدوات تحليل البيانات الحديثة يشكلان نقلة نوعية في التعامل مع ملف يعد من أعقد الملفات الإنسانية في سوريَة، فالتكنولوجيا هنا ليست مجرد وسيلة توثيق، بل أدوات لفهم الأنماط، وكشف الحقائق، وتمهيد الطريق نحو العدالة.
مع استمرار العمل على المنصة الجديدة، تفتح الهيئة الوطنية للمفقودين بابًا جديدًا أمام آلاف العائلات التي تنتظر معلومة، أو اسمًا، أو أثرًا يعيد جزءًا من الحقيقة الغائبة.
نسخ الرابط تم نسخ الرابط
المصدر: البوابة العربية للأخبار التقنية
