كتبت فرح منصور في “المدن”:
لا يمكن لأي شخصٍ يستمع إلى التسريبات المتعلقة بملف الأمير الوهميّ “أبو عمر” سوى أن يسأل شيئًا واحدًا: “أيعقل أنها قصة حقيقيّة”؟
بدأت كواليس هذا المُسلسل تنكشف تدريجيًا، بسبب التحقيقات التي تجريها مخابرات الجيش اللبنانيّ والنيابة العامة التمييزية.
التوسع بالتحقيقات
النائب العام التمييزي جمال الحجار استجوب اليوم الجمعة 2 كانون الثاني الموقوف مصطفى الحسيان، الذي لعب دورًا أساسيًا في ملف “أبو عمر” الأمير السعوديّ الوهميّ. واستمع بصفة شاهد إلى النائب محمد سليمان. وسيحدد جلسات أخرى للاستماع إلى مجموعة من الشهود قبل ختم التحقيقات وإحالتها للنيابة العامة للادعاء على المتورطين. لذلك، لم يُعرف بعد إلى أي نيابة عامة سيحال الملف، ففي حال برزت أسماءً لضباط أو أمنيين، سيحول الملف إلى المحكمة العسكرية، أما في حال انحصر الملف بالأسماء السياسية الموجودة حاليًا فسيحال إلى النيابة العامة في الشمال.
مسلسل طويل!
تُشير معلومات “المدن” إلى أن مسلسل الأمير الوهميّ لم يكن محصورًا بأسماء سياسية فقط، بل طال ضباطًا خلال التعيينات الأمنية الأخيرة، لكن هذه المعلومات وعلى الرغم من صحتها، لم تُذكر بعد في التحقيقات. تكشف المصادر أن الشيخ خلدون عريمط، الذي يبدو حتى الساعة أنه المسؤول الأساسيّ عن اختراع الشخصية الوهمية والتسويق لها بسبب نفوذه والثقة التي يحظى بها لكونه شيخًا مُعمّمًا، كان قد تواصل مع أحد الضباط من الطائفة السنيّة، وأبلغه حرفيًا بأن المملكة العربية السعودية “راضية عنك”، ويتم العمل لتعيينك بمنصب مدير عام قوى الأمن الداخلي، وعرض عليه أن يُعرفه على “أبو عمر”، فوافق الضابط بطبيعة الحال. لكنه فوجئ لاحقًا بأن العميد رائد عبدالله عُيّن مديرًا عامًا لقوى الأمن الداخلي، ومنذ لحظتها، انقطع التواصل نهائيًا مع عريمط.
الأهم، أن ملف “أبو عمر” لا يزال حتى اللحظة “خفيفًا”. وتصف المصادر الحسيان بأنه شخصية “هزلية”، بمعنى أنه لا يملك قدرًا كافيًا من الذكاء للقيام بكل هذا الأمر، الأمر الذي يُرجح أن هناك أشخاصًا قاموا بتلقينه كل ما يجب فعله. كما أنه لم تُسجل أي معلومة في التحقيقات عن المبالغ التي دفعت لعريمط أو للأمير الوهميّ. وفي إفادة الحسيان اتهم عريمط بهذا الأمر، مؤكدًا أن الأخير هو من طلب منه القيام بهذه المهمة.
في المقابل، ينفي عريمط هذا الأمر ويؤكد أنه لم يكن يعلم أن شخصية “أبو عمر” هي شخصية وهمية وأن السبب يعود للشيخ خالد السبسبي فهو من قام بالتسويق لهذه الشخصية على أنه أمير في المملكة العربية السعودية. ومصادر “المدن” تؤكد أن التحقيقات أظهرت تورط أيضًا الشيخ السبسبي بملف “أبو عمر”. كما أن عريمط لعب دورًا سياسيًا في التمديد لمفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، لكن لم يتبين بعد حتى كتابة هذا المقال إن كان استخدم الشخصية الوهميّة لهذا الأمر أم لا.
تقاذف الاتهامات!
كما جاء في إفادة مصطفى الحسيان أن أرقام الهواتف التي استخدمها الأمير الوهميّ، جرى تأمينها من صديق سوريّ داخل الأراضي السوريّة. علمًا أن مصادر قضائية لـ”المدن” أكدت أن مخابرات الجيش حققت مع الحسيان في ملف آخر، يتعلق باتهامه بتهريب أشخاص عبر الحدود اللبنانيّة – السورية.
ما من أسماء كثيرة في هذا الملف. في التحقيقات ورد اسماء سياسية تواصل معها الأمير الوهميّ، لكن في كل جلسات الاستجواب، لم تعترف أي شخصية سياسية بأنها حوّلت أموالًا للأمير الوهمي أو للشيخ عريمط أو حتى للشيخ السبسبي، وكذلك الأمر بالنسبة للحسيان وعريمط اللذين ينفيان حتى الساعة أنهما حصلا على أي مبالغ ماليّة من أي شخصية سياسية. وهنا ترجح مصادر قضائية لـ”المدن” أن معرفة هذا الأمر ستكون صعبة في الفترة الراهنة، إذ من المحرج ومن غير المتوقع أن يعترف أي سياسيّ أنه دفع مبالغ ماليّة لأمير سعودي بهدف مساعدته في الوصول إلى منصب سياسي معين، وتبين لاحقًا أنه تعرض للاحتيال وكانت الشخصية وهمية وغير موجودة من الأساس”. وتضيف المصادر أن الأمر الذي ساعد في تكوين هذه الشخصية الوهمية، هي الوجود الحقيقي لأمير سعوديّ في الديوان الملكي يُعرف باسم “أبو عمر”.
وحسب معلومات “المدن” فإن مخزومي حوّل مبلغًا “متواضعًا” لدار الفتوى وذلك لمساعدة الشيخ خلدون عريمط بسبب حالته الصحية التي كانت متدهورة آنذاك فهو يعاني من مرض السرطان، أما النائب ميشال فرعون فحوّل 500 دولار أميركي فقط لمشفى في بيروت وذلك بعد أن طلبها منه الشيخ خلدون عريمط و”أبو عمر”، بسبب حاجة امرأة إلى إجراء عملية طفل أنبوب، والتحقيقات التي أجريت مؤخرًا أكدت أن هذه الواقعة حدثت فعلًا. أما الوزير السابق محمد شقير، فبرز اسمه في التحقيقات بسبب تواصل الأمير الوهمي معه، لكن المفارقة أن شقير طلب مرتين من أبو عمر رؤيته شخصيًا خلال وجود شقير في المملكة العربية السعودية، لكن أتى التبرير أن “أبو عمر” في بريطانيا واعتذر عن اللقاء. أما رجل الأعمال أحمد حدارة فقدم سيارة فاخرة لإبن الشيخ عريمط، لكنه عندما اكتشف الشخصية الوهمية، استرد هذه السيارة، كما أنه حول مبلغًا ماليًا لإبن عريمط، وذلك بسبب اتفاقهما على إنجاز “مشروع ضخم”.
وعليه، تستمر النيابة العامة التمييزية في متابعة هذا الملف لمعرفة الأمور التي تمكنت هذه المجموعة من تحقيقها في السياسة اللبنانية.




