أخبار عاجلة
بالفيديو: انهيار مبنى سكني في القبة -
“الحزب” لعون: لست المقصود بكلام قاسم -

“الميكانيزم” باقية… من يراهن على دفنها سيصطدم ببديل أخطر

“الميكانيزم” باقية… من يراهن على دفنها سيصطدم ببديل أخطر
“الميكانيزم” باقية… من يراهن على دفنها سيصطدم ببديل أخطر

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

منذ أسابيع، يدور همس سياسي وإعلامي مقصود حول مصير لجنة «الميكانيزم» المشرفة على تنفيذ اتفاقية وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لتصويرها كهيكل انتهى دوره أو كآلية معلّقة تنتظر قرارًا دوليًا بإنهائها. غير أن المعطيات المتقاطعة لدى الأوساط الدبلوماسية والمرجعيات الرسمية، تؤكد بما لا يقبل الالتباس، أن هذه اللجنة باقية، وأن الحفاظ عليها من منطلق سياسي أو لحاجات حمائية نسبيًا، هو مصلحة لبنانية خالصة من الدرجة الأولى، وأن أي جهة داخلية تُسوّق لفكرة تجميدها أو الإطاحة بها ستكتشف قريبًا جدًا أن البديل المطروح أخطر بكثير مما تتصوره أو تتمناه.

الأساس الذي قامت عليه «الميكانيزم» أبعد من الأمور التقنية أو الشكلية، بل مرتبط مباشرة بجوهر اتفاقية وقف الأعمال العدائية، التي لا تقتصر على وقف النار فحسب، بل تتضمن بندًا بالغ الحساسية يتمثل في نزع السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية. ومن هذا المنطلق، تشدد الأوساط الدبلوماسية على أن المهمة الأساسية لـ «الميكانيزم» كانت ولا تزال مراقبة تنفيذ هذا الالتزام، وأن المرحلة الأولى من عملها انتهت جنوب الليطاني، حيث اضطلعت قوات «اليونيفيل» بدور محوري في مراقبة التطبيق الميداني ضمن نطاق صلاحياتها الجغرافية.

لكن المفصل الحقيقي الذي يُسقط كل الحديث عن انتهاء دور «الميكانيزم» يتمثل في الانتقال إلى البحث الجدي في حصرية السلاح شمال الليطاني، وهي منطقة لا تدخل ضمن نطاق عمل «اليونيفيل» ولا تمتلك فيها أي صلاحيات تنفيذية أو رقابية. وهنا يطرح السؤال الجوهري: من يراقب التنفيذ؟ ومن يشكّل الضامن الدولي لأي خطوات تُتخذ في هذا الإطار؟ الجواب واضح وحاسم: «الميكانيزم». وهذا وحده كافٍ لتأكيد أنها ليست فقط باقية، بل تدخل مرحلة أكثر حساسية وخطورة من سابقاتها.

في هذا السياق، جرى تضخيم اضطرار رئيس لجنة «الميكانيزم»، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، إلى مغادرة لبنان خلال فترة الأعياد، ناهيك عن مهامه في القيادة العسكرية الأميركية الوسطى، على أنه مؤشر تعطيل أو شلل. غير أن الوقائع تفيد بأن عمل اللجنة لم يتوقف، بل استمر بالزخم نفسه من خلال مساعده، وأن غياب الاجتماعات في المرحلة الراهنة لا يعكس أزمة بنيوية، بل تزامنًا زمنيًّا مع استحقاق سياسي – عسكري منتظر وبالغ الأهمية، يتمثل في عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من الولايات المتحدة، وقيامه بعرض خطة الجيش لحصرية السلاح شمال الليطاني على مجلس الوزراء. بعد هذا العرض، تعود اجتماعات اللجنة مطلع الشهر المقبل، في لحظة مفصلية ستعيد تثبيت دورها كحلقة وصل إلزامية بين الداخل اللبناني والمجتمع الدولي.

في المقابل، يتقاطع موقف طرفين متناقضين في الأهداف ومتقاطعين ظرفيًا في الهدف على رفض «الميكانيزم». إسرائيل، من جهة، ترى فيها قيدًا على طموحها بالانتقال إلى مفاوضات مباشرة على مستوى وزاري، برعاية أميركية، وعلى غرار المسار الذي تنتهجه مع سوريا، ويفضل الإسرائيلي أن تكون هذه المفاوضات في عاصمة إقليمية أو دولية، بما يكرّس تطبيعًا سياسيًا مقنعًا ويفرض وقائع تفاوضية جديدة على لبنان. ومن جهة أخرى، يعتبر «حزب الله» أن دور «الميكانيزم» انتهى مع انتهاء نزع السلاح جنوب الليطاني، وأن المطلوب اليوم هو انسحاب إسرائيل ووقف العمليات العدائية وإطلاق الأسرى، مؤكدًا أن شمال الليطاني يدخل ضمن «استراتيجية الأمن الوطني»، وأنه لن يسلّم «رصاصة واحدة» في هذه المنطقة.

غير أن ما يغيب عمدًا عن هذا السجال، هو أن كل دول العالم، من دون استثناء، متمسكة بـ «الميكانيزم»، وأن لبنان الرسمي يتمسك بها لأنها الإطار الوحيد المتاح للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل. وأي بحث بخيارات بديلة، تحت أي عنوان أو ذريعة، يعني عمليًّا الذهاب إلى تفاوض مباشر لا يريده لبنان ولا يستطيع تحمّل كلفته السياسية والسيادية، خصوصًا في ظل اختلال موازين القوى والضغوط الدولية المتصاعدة.

ويأتي تغيّب الرئيس المدني للوفد الإسرائيلي عن اجتماعات «الميكانيزم» ليعزز هذا المشهد الضاغط، إذ تشير المعطيات إلى أن هذا الغياب مقصود ويهدف إلى فرض توسيع الوفد المدني ورفع مستوى التمثيل، تمهيدًا لتغيير طبيعة المفاوضات وشكلها. في المقابل، يصرّ لبنان على رفض هذا الابتزاز السياسي ويتمسك بمبدأ «الخطوة مقابل خطوة»، وبالحفاظ على الإطار التقني – الأمني المطعّم سياسيًا لـ «الميكانيزم» كخط دفاع أخير يمنع الانزلاق نحو مسار تفاوضي مفتوح بلا ضوابط.

لذلك؛ إن معركة «الميكانيزم» هي على شكل الصراع وإدارته وحدوده. ومن يراهن على إسقاطها، داخليًا أو خارجيًا، لا يغامر فقط بإطار تفاوضي قائم، بل يفتح الباب أمام بدائل أكثر خطورة، تبدأ بالتفاوض المباشر ولا يُعرف أين تنتهي. وفي هذا المعنى، فإن بقاء «الميكانيزم» ليس انتصارًا لها كآلية، بل انتصار لفكرة حماية لبنان من أسوأ الخيارات الممكنة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عبدالله: متخوّف من البديل في حال الاستغناء عن “الميكانيزم”
التالى كنعان بحث الاصلاحات المالية مع موفد ماكرون