كتب حسين زلغوط في “اللواء”:
في توقيت لبناني شديد الخطورة وعلى وقع الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع والضاحية، تحرّكت اللجنة الخماسية أمس على خطّين متوازيين: تثبيت منطق الدولة في مقاربة ملف السلاح، ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل في ظل تصاعد الاعتداءات على القرى الجنوبية والضاحية.
هذا التحرّك لم يكن بروتوكولياً، بل حمل في طياته رسائل سياسية واضحة تتصل بقرار مجلس الوزراء الأخير حول نزع السلاح غير الشرعي، وبمستقبل الاشتباك مع إسرائيل ضمن معادلة السيادة والاستقرار.
فهذه اللجنة التي تضم ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، تنطلق في مقاربتها من مبدأ معلن: لا استقرار دائماً في لبنان من دون حصرية السلاح بيد الدولة. لكن هذا المبدأ، وإن بدا نظرياً جامعاً، يصطدم بواقع داخلي معقّد يتداخل فيه السياسي بالأمني، والإقليمي بالمحلي، خصوصاً مع استمرار العدوان الإسرائيلي الذي يضع أي نقاش حول السلاح في دائرة الاتهام أو الاستثمار السياسي.
فتحرّك اليوم عكس توجّهاً واضحاً لدى الخماسية لدعم قرار مجلس الوزراء أمس الأول بوصفه خطوة في اتجاه إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، فالقرار، في جوهره، يشكّل محاولة لترجمة خطاب السيادة إلى آلية تنفيذية، ولو تدريجية، غير أن اللجنة، وفق أجواء لقاءاتها، لا تنظر إلى نزع السلاح كإجراء تقني فحسب، بل كمسار سياسي طويل يحتاج إلى توافق داخلي وضمانات خارجية في آن معاً.
في المقابل، لم تغفل اللجنة الإشارة إلى أن أي مقاربة لملف السلاح يجب أن تتزامن مع وقف الاعتداءات الإسرائيلية والالتزام بالقرار 1701، وبقرار الهدنة، فالتصعيد الإسرائيلي المستمر، سواء عبر الغارات أو التهديدات العلنية، يضعف موقع الدولة اللبنانية في أي نقاش داخلي، ويمنح القوى الرافضة لحصرية السلاح فرصة إضافية للتمسّك بهذا السلاح، باعتباره الرادع الوحيد لهذا العدوان، من هنا، بدا موقف الخماسية مزدوجاً: دعم واضح لقرار الحكومة، وتحذير صريح من أن استمرار العدوان يقوّض فرص نجاحه.
في تقدير مصادر سياسية أنّ الرسالة الأهم في تحرّك اللجنة أمس تمثلت في محاولة الفصل بين مسارين: مسار تثبيت السيادة داخلياً، ومسار مواجهة إسرائيل دبلوماسياً. فاللجنة لا تريد أن يتحول قرار مجلس الوزراء إلى مادة اشتباك داخلي جديد، ولا أن يُقرأ كتنازل تحت النار. لذلك شدّدت على ضرورة أن يكون أي تنفيذ للقرار منبثقاً من حوار وطني جامع، يراعي الهواجس الأمنية ويؤسس لمرحلة انتقالية تضمن عدم الفراغ.
أمّا على المستوى السياسي فان هذا الحراك يعكس إدراكاً دولياً بأن لبنان يقف أمام مفترق طرق. فإما أن ينجح في استثمار اللحظة لإعادة بناء مؤسساته على قاعدة احتكار الدولة للسلاح، وإما أن ينزلق إلى جولة عنف جديدة تعيد إنتاج مشهد الدمار والنزوح. وتقول المصادر أن الخماسية، في مقاربتها، لا تتحدث بلغة الإنذارات، لكنها تلوّح بأن الدعم الدولي – المالي والسياسي – مرتبط بمدى التزام الدولة اللبنانية بقراراتها.
في الداخل، تتباين القراءات، فثمة من يرى في تحرك اللجنة ضغطاً خارجياً يراد منه تعديل موازين القوى الداخلية، وثمة من يعتبره فرصة لإعادة تصويب البوصلة الوطنية نحو منطق الدولة. وبين هذين الرأيين، ترى المصادر يبقى العامل الحاسم هو قدرة الحكومة على تحويل قرارها إلى خطة عمل واضحة، تحدّد الأولويات والجدول الزمني وآليات التنفيذ.
أما في ما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي، فقد بدا واضحاً أن الخماسية في تقدير المصادر لا تريد للبنان أن يكون ساحة رسائل إقليمية، فهي تدرك أن أي توسّعا في رقعة المواجهة سيقود إلى كلفة بشرية واقتصادية هائلة، في بلد لم يتعافَ بعد من أزماته المتراكمة. لذلك ركّزت في اتصالاتها على ضرورة التهدئة، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، وتثبيت قواعد الاشتباك بما يمنع الانفجار الكبير.
المرحلة المقبلة في تقرير هذه المصادر ستكشف ما إذا كان تحرك اللجنة الخماسية امس يشكّل نقطة تحوّل أم مجرد محطة في مسار طويل. فملف السلاح ليس تفصيلاً عابراً، بل عنواناً لخيارات لبنان الاستراتيجية، والعدوان الإسرائيلي ليس حدثاً طارئاً، بل عنصر ضغط دائم يعقّد أي مسعى داخلي للإصلاح.
وبين القرار الحكومي والتحرك الدولي، تعتبر المصادر ان لبنان يقف أمام اختبار مزدوج: هل يستطيع تحويل الدعم الخارجي إلى رافعة لبناء دولة قوية قادرة على حماية حدودها وقرارها؟ وهل تنجح الدبلوماسية في كبح جماح التصعيد الإسرائيلي ومنع تكرار سيناريوهات الحرب التي لا يزال اللبنانيون يدفعون أثمانها؟
الجواب في اعتقاد المصادر السياسية لن يتبلور في يوم واحد. لكن ما هو مؤكد أن اللجنة الخماسية وضعت في تحرّكها أمس إطاراً واضحاً للمرحلة المقبلة: دعم للدولة، تمسّك بالسيادة، رفض للعدوان، وإصرار على أن يكون السلاح تحت سقف الشرعية. وبين هذه العناوين، ترى المصادر أنّ لبنان سيكتب فصلاً جديداً من صراعه الدائم بين منطق الدولة ومنطق الساحات المفتوحة.




