كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:
لم تكد المخاوف من موجة تضخم إقليمية تتصاعد وتصل ارتداداتها إلى لبنان نتيجة الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، حتى وجد لبنان نفسه في عين الحرب. أضرار مادية نتيجة الغارات ونزوح وجمود عادت لتهدّد اقتصادًا هشًا بالكاد يلتقط أنفاسه. أمّا المسألة الأكثر إلحاحًا في زمن الحروب فتبقى مسألة الأمن الغذائي. هل يكفي المخزون؟ هل تبقى الأسعار تحت السيطرة؟ وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط شرح حقيقة الوضع وخطط وزارته لـ “نداء الوطن”.
إذا كانت ردّة الفعل المباشرة للبنانيين على الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران تزامنًا مع نهاية الشهر ترجمت في التهافت على السوبرماركات، فإن الإقبال على التخزين تجدّد بعد دخول لبنان في مرحلة الحرب وتوريطه فيها، فاستمرّ الطلب على السّلع الأساسية مع تراجع التهافت خصوصًا بعد طمأنة رئاسة الحكومة ووزارتي الاقتصاد والصناعة أن السلع متوفرة لأشهر.
الأمن الغذائي ممسوك بحسب المعنيين، و “الوضع مريح” كما أوضح وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط لـ “نداء الوطن” رغم تغيّر المعطيات وانخراطنا في مرحلة الحرب لأن المخزون كما أوضح “موجود وأي نقص على الرفوف تتمّ “تعبئته”، علمًا أن الوضع في مرفأ بيروت جيّد والعمل فيه ناشط، إذ هناك بحسب البساط بواخر تحمل على متنها مواد غذائية في طريقها إلى لبنان، عدا عن باخرتي طحين وباخرة محروقات رغم منع مرور شاحنات عبر مضيق “هرمز”، أمّا مخزون المواد الغذائية فيكفي بدوره لـ 4 أشهر والطحين لـ 3 أشهر”.
إذا أقفل “هرمز”
حول إمكانية تأثرنا بإقفال المضيق في المدى الطويل، يقول البساط: “هناك وسائل أخرى يمكن اعتمادها لوصول المنتوجات إلى لبنان بحرًا كون لبنان يعتمد بنسبة 85 % من استهلاكه في السوق على الواردات من دول آسيا وأوروبا وأفريقيا. وطرق وصول الشحنات إلى لبنان تتمّ كالتالي:
– في حال إقفال مضيق “هرمز” كليًا يمكن في أسوأ الحالات اعتماد الطريق الأطول من خلال عبور خليج رأس الرجاء الصالح cape of good hope ولكن في تلك الحالة ستتأخر الشحنات نحو 3 أسابيع وسترتفع الكلفة نتيجة زيادة أقساط التأمين البحري، وارتفاع أسعار المحروقات التي قفزت بسبب الحرب. علمًا أن الارتفاع الذي سجّلته أسعار النفط لم يكن كبيرًا يوم الإثنين عند افتتاح الأسبوع بعيد الحرب بل بلغ 9 % نظرًا إلى التدبير الذي اتخذته دول “أوبك” بزيادة إنتاج النفط يوميًا بأكثر من 206 آلاف برميل يوميًا في شهر نيسان المقبل.
– كما تعمل وزارة الاقتصاد على سلاسل إمداد لتوفير السلع المستوردة عبر الحدود مع سوريا.
– وفي الحالات الطارئة ومن ضمن خطة طوارئ وزارة الاقتصاد، يمكن أيضًا الاعتماد في وسائل استقدام القمح على الـ floating ships أي البواخر العائمة التي يمكن بيع وشراء سلع عبرها خاصة مادة القمح”.
وفق تلك المعطيات يقول البساط “إن الوضع مريح حتى ولو توسّعت رقعة الحرب في ظلّ وجود خطّة طوارئ وزارة الاقتصاد، ووجود وضوح في ما يتعلّق بمخزون السلع وكيفية توفيرها ونحن على تواصل مستمرّ مع إدارة الجمارك والموزعين ونقاط البيع…
ضبط الأسعار
وبعد هاجس الأمن الغذائي في الحرب الدائرة، هناك هاجس التضخم في الأسعار الآخذ أصلًا في الارتفاع والذي يعتبر مشكلة الساعة في لبنان من دون حرب فكيف مع زمن الصراعات؟
في هذا المجال، تواصلت وزارة الاقتصاد والتجارة (منذ رفع سعر صفيحة البنزين واتخاذ قرار بزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 % لاحقًا إذا وافق مجلس النواب على ذلك)، مع التجار وطلبت منهم عدم رفع الأسعار عشوائيًا وكثفت دورياتها الرقابية لتفادي استغلال الوضع وزيادة الأسعار بطريقة فورية. أمّا اليوم وفي زمن الحرب وإقحام “حزب اللّه” لبنان فيها، فإن وزارة الاقتصاد بحسب البساط “حدّدت للمراقبين الأولويات وهي مراقبة الأسعار بالدرجة الأولى لتأتي بعدها سائر المهام التي تقوم بها مثل توفير سلامة الغذاء والنظافة… لأنه لدينا مشكلة في ارتفاع أسعار السلع في البلاد”. لكن ما سبب زيادة الأسعار بشكل مستمرّ؟
عوامل التضخم
يعتبر البساط أن “القفزات التضخمية التي تحققها الأسعار في لبنان مردّها إلى عوامل عدّة:
1- عوامل خارجية: التضخم العالمي حتى في الولايات المتحدة الأميركية.
2- ضعف الدولار الذي نعتمد عليه في تعاملاتنا ما يقوّي اليورو والين.
3-مشكلة الاحتكار monopolism المعتمدة في لبنان ومشكلة التواطؤ أو التوافق على اعتماد سعر محدّد في السوق وهو ما يعرف بالـ Collusion”.
قانون المنافسة
في النقطتين الأوليين، يمكن اعتبار أن هذا التضخم مستورد، أما في النقطة الثالثة لمعالجة مشكلة الاحتكار من الداخل اللبناني والحدّ من المزيد من الارتفاع في الأسعار، فيترتب تفعيل قانون المنافسة في لبنان رقم 281 الذي صدر عام 2022 الذي من شأنه أن ينقل الاقتصاد في لبنان من ريعي قائم على الوكالات الحصرية والاحتكارات إلى اقتصاد سوق حرّة قائم على المنافسة العادلة فيمنع الاحتكارات والتواطؤ بين الشركات ما يؤدّي إلى خفض الأسعار وتحسين الجودة وحماية المستهلك وهو يشكّل أحد أبرز القوانين الإصلاحية المطلوبة دوليًا.
ولكن لتنفيذ هذا القانون تمّ إنشاء الهيئة الوطنية للمنافسة التي ترتبط بوزارة الاقتصاد ومهمتها التحقيق في الممارسات الاحتكارية ودراسة عمليات الدمج والاستحواذ وفرض الغرامات والعقوبات منها غرامات تصل إلى 10 % من رقم أعمال الشركة السنوي وإبطال الاتفاقيات المخالفة وفرض تدابير تصحيحية.
وفي ما يتعلّق بضبط الأسعار في لبنان، يجيز قانون المنافسة لوزارة الاقتصاد بالتدخل عند وجود احتكار أو تلاعب ومراقبة هوامش الربح غير المبرّرة وحماية سلّة السلع الأساسية من التشوّه السعري الناتج عن غياب المنافسة.
إلّا أن إدخال هذا القانون حيّز التطبيق كما يقول البساط “ينتظر تفعيله تسمية مجلس القضاء الأعلى لرئاسة الهيئة ونائبه والمقرّر الذين من المفترض أن يكونوا قضاة متفرّغين” .
ولحين تعيين الهيئة الوطنية للمنافسة وفي ظلّ موجة التضخم التي تجتاح لبنان والعالم وبما أن اقتصادنا هش ولا يحتمل نسب تضخم عشوائية وعالية، يسلّط المراقبون في مديرية حماية المستهلك الضوء في جولاتهم على الأسعار وما إذا كان هامش الربح الذي تعتمده ويتراوح عادة بين 10 و 30 % على المواد الغذائية مقبولًا أو لا، بعد احتساب سعر السلعة الأساس وفق سعر الجملة وإضافة الكلفة التشغيلية المترتبة على التاجر من كهرباء ونقل وإيجار للمحل.
ضبط الفوضى
من أجل ضبط الأسواق قدر الإمكان ووضع حدّ لفوضى الأسعار، تتابع وزارة الاقتصاد الجولات التي تقوم بها والتي تتحرّك فيها دوريًا أو بناءً على الشكاوى التي تردها هاتفيًا أو من خلال التطبيق الإلكتروني، وقامت مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد خلال الأسابيع الـ 6 الأولى من السنة (عدا الأسبوع الماضي)، بـ 1928 جولة كشف على محال تجارية وسطّرت 100 محضر ضبط وأحالت 219 محضرًا إلى القضاء، مع العلم أن الوزارة تعمل مع المدّعي العام التمييزي لتسريع الإجراءات القانونية بهدف ضبط المخالفين.
مشكلة التضخم في لبنان الأساسية تبقى في استيراد نسبة 85 % من السلع التي يستهلكها وفقًا للسعر المعتمد في العالم الآخذ في الارتفاع، في حين أن الراتب الذي يتقاضاه هو من داخل البلاد وبالتالي لم يعد إلى ما كان عليه قبل الأزمة المالية.




