حين تتحوّل الخسارة إلى نصر…

حين تتحوّل الخسارة إلى نصر…
حين تتحوّل الخسارة إلى نصر…

كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:

قد لا يكون أوّل لقاء جمع في وزارة الخارجية الأميركية بين سفيرته لدى الولايات المتحدة وسفير إسرائيل، أصعب اختبار بالنسبة للبنان في محاولة انتزاع “سلامته” من دوامة الحروب المستمرة على أرضه بالوكالة منذ عقود.

فمع أن هذا اللقاء كسَر على المستوى الرسمي الـ “تابو” الذي كان يمنع سابقًا مجرد التفكير بالتفاوض مع إسرائيل، إلا أن خيار “الشرعية” هذا، يبقى أمام مطبّات تتخطى لحظته، إلى ما سيليه، ليس على صعيد بدء المفاوضات حصرًا، إنما على مستوى الساحة الداخلية تحديدًا.

وعليه، فإن الأيام المقبلة قد تنقل اللبنانيين إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. ربما تتطلب جهودًا شاقة تؤسس لتحوّل أعمق في الذهنيات اللبنانية السائدة، وتحاول إيجاد أرضية مشتركة بينها.

فالشرخ في هذه الذهنيات كبير بين اللبنانيين. ويبرز خصوصًا على مستوى مفاهيم: الحرية، المقاومة، السلام، الحرب، الشهادة، الاستقرار، الكرامة، الذل وحتى الحياة والموت، وربما غيرها من المصطلحات التي يكثر استخدامها في هذه الأيام.

وقد نما هذا الشرخ وتطوّر على مدى عقود، بإطار بيئات وقناعات متضاربة، أبقت لبنان بحالة سريرية مفتوحة. نصفه لا يشعر بالألم لأنه تعلّم أن يحبّه، ونصفه يشعر به، لكنه لم يطمئن بشكل كافٍ ليصرخ كفى. وهذا ربما ما يضع “الدولة” أمام تحدي ردم الهوّة أو أقله تقريب المسافات نحو تسليم اللبنانيين جميعًا لسلطة الشرعية، ومن ثم محاسبتها متى قصّرت بواجباتها.

المهمة الأصعب في بيئة “حزب الله”

لا يختلف اثنان في المقابل على أن المهمة الأصعب قد تكون في بيئة “حزب الله” تحديدًا. فواقع هذه البيئة سريالي، ويصعب على من يعيش خارجه أن يتفهمه. وفيه رسّخ “الحزب” عزلة ذهنية ونفسية، هي نتاج البيت، والبيئة، وحتى المدرسة. فتحوّلت ضحية لخطاب تراكمي، دعاية مستمرة، وقناعات ورسائل تمرر في الخلفية إلى أن تصبح بديهية.

فالبيئة تدرّبت طويلًا على أن الألم دليل صحة، إلى حد أنها صدّقت ذلك. وانطلاقًا من هنا، نجد بيوتها تُدمَّر، ومدنها تُهجَّر، وضحاياها يُدفنون بالعشرات يوميًا، وبعضهم لا يبقى له أثر تحت الركام، ومع ذلك يخرج من داخلها من يترجم الخسارة على أنها مجرد تفصيل في طريق “الكرامة”، ويعلن بثقة يُحسد عليها “أننا منتصرون”.

الانفصام اللبناني بأشكال مختلفة

لم يكن هذا المسار معزولًا عن السياق العام طبعًا. بل تكرّس في ظل غياب عميق للدولة بمفهومها الشرعي. دولة فشلت في أن تكون المرجعية الوحيدة لتعريف السيادة والشرعية، وتركت أبناءها يتلقون مفاهيمهم من مصادر متناقضة، وأحيانًا متصادمة. فأسس ذلك لما يشبه “الانفصام” الجماعي في الوعي السياسي، حيث يمكن للفرد أن يحمل فكرتَين متناقضتين في آن واحد، وأن يتنقل بينهما وفق الظرف، من دون أن يشعر بضرورة الحسم.

فبين اللبنانيين اليوم أيضًا، فئة كبيرة تعيش انفصامًا موازيًا لذلك الذي تشهده بيئة “حزب الله”، وإنما باختلاف واضح في الظرف والشكل.

تتفق هذه الفئة مع “الحزب” على أن إسرائيل “عدو”، ولكنها مع ذلك ليست مع معادلة الحروب المفتوحة معها، ولا هي مطمئنة لكون إيران ووكلائها في لبنان هي الجهة التي يمكن أن تحمينا منه.

عاشت هذه الفئة لعقود في ظل معادلة نفسية صارمة تتهم بالخيانة كل محب للحياة ورافض لثقافة الحرب والموت. فاختفى صوتها لسنوات طويلة، ولا تزال تجد صعوبة في التفوه بكلمة “سلام”. وهي اليوم تبدو مرتبكة، مترددة، تشرح نفسها أكثر مما تعبّر عن رأيها.

غسل أدمغة وليس نكرانًا

ما ذكر يضعنا أمام نموذجين متناقضين من الوعي الجماعي لدى اللبنانيين: الأول، قادر على إعادة تفسير الخسارة بوصفها انتصارًا. والثاني، يكبت قناعة معاكسة خوفًا من تبعاتها.

فكيف يمكن لبيئتين تختبران واقعًا مشتركًا أن تعيشا هذا الاضطراب؟

طرحنا السؤال من زاوية نفسية على الأخصائية الدكتورة ريما بجاني، بحثًا عن مقاربة نفسية لآليات التكيّف، والخوف، وإعادة تشكيل الإدراك، التي تحكم سلوك الأفراد داخل الجماعات. فقادتنا بجاني بإجابتها إلى مستويين عميقين من التفسير.

فقبل الحديث عن “النكران” بوصفه آلية دفاعية يتم اللجوء إليها عند كل “تروما” يتعرّض لها الإنسان، رأت بجاني أن مفهومًا أكثر تعقيدًا في علم النفس قد يبرز في ما تختبره الفئة التي تستخلص من الدمار نصرًا، وهو إعادة التشكيل الذهني أو ما يُعرف بـ brainwashing، ليس بالمعنى السطحي المتداول، بل كعملية تراكمية طويلة الأمد.

تستعيد بجاني تجربة الحرب العالمية الأولى، وأدولف هتلر تحديدًا كمثال في علم النفس السياسي حول “كيفية إعداد مجتمع كامل لتقبّل الحرب قبل وقوعها”. وتشرح كيف مهّد هتلر للحرب العالمية الثانية نفسيًا وسياسيًا، بعد صدمة هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، من خلال سرديات تغلغلت في وعي الناس وأعادت تشكيل إدراكهم للواقع. موضحة أن هذا النموذج يُستخدم في علم النفس السياسي لفهم كيفية تشكّل القناعات الجماعية. وهو ما يمكن إسقاط بعض ملامحه على حالات معاصرة ومن بينها “حزب الله”.

شرح نفسي علمي

أنتج “حزب الله” على المستوى القيادي خطابه، فتلقفته البيئة على مدى أربعة عقود متتالية. إلى أن تحوّل الخطاب منظومة فكرية متكاملة، أعادت تعريف مفاهيم أساسية، وهيّأت البيئة لتقبّل الألم وإعادة ترجمته ضمن سردية إيجابية. فصارت الخسارة ضرورة، والموت جزءًا من مسار طبيعي، وإعادة الإعمار تعويضًا حتميًا.

انطلاقًا من هنا، لا يمكن تفسير مشهد إنسان خسر منزله أو أولاده أو من يحبهم ولا يزال يعلن تمسّكه بـ “النصر” على أنه مجرّد نكران لحظي، بل هو تعبير عن انسجام عميق مع منظومة ذهنية زُرعت فيه على مدى سنوات، تشكّلت عبر التربية، والخطاب، والتجربة، وأُعيد إنتاجها لسنوات.

يبقى النكران بالطبع حاضرًا كآلية دفاعية في حالات الصدمة الحادّة، حين يعجز الفرد عن استيعاب واقع قاسٍ. إلا أن ما نشهده في كثير من الحالات برأي بجاني يتجاوز هذا الإطار، ليقارب حالة من الانفصال الجزئي عن الواقع، حيث تصبح القناعة راسخة إلى حد يصعب معه تقبّل أي رواية بديلة.

mind set مختلف قائم على الخوف

ولكن إذا كانت الفئة الأولى تعيش انسجامًا مع سرديتها، فإن الثانية تعيش صراعًا معها. إذ إن هذه الفئة ليس لديها إشكالية مع فكرة “وجود” إسرائيل بقدر ما تواجه معضلة الخشية من أن يُفسَّر أي توجه نحو التهدئة معها على أنه مهادنة لـ “العدو” أو تبرير له.

قبل أسابيع كانت هذه الفئة من اللبنانيين تتجنب الخوض في أي نقاش يتصل بالسلام مع إسرائيل، مع أن السلام المقصود هنا هو “الخروج من منطق الحروب المستمرة” وليس “التطبيع”.

فبالنسبة لهذه الفئة كان مجرد ذكر إسرائيل، أو التواجد مع إسرائيلي في مساحة واحدة، حتى خارج لبنان، كفيلًا بوضع الفرد في دائرة الاتهام، وتعريضه لسيل من اتهامات التخوين والعمالة، بكل ما تحمله الصفتان من تبعات اجتماعية ومعنوية.

هذا الواقع كما تشرح بجاني، لم يكن تفصيليًا. بل أسّس على مدى سنوات طويلة لما يمكن وصفه بـ mind set مختلف، قائم على الخوف. خوف لا يقتصر على التعبير، بل يمتد إلى مستوى التفكير نفسه. فكل من يحاول مقاربة فكرة السلام، يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن نواياه، والتأكيد أنه لا يسعى إلى “الصداقة” مع إسرائيل، بل إلى هدنة تُنهي دوامة العنف.

من الناحية النفسية، عندما يُوصم الفرد بصفة معيّنة بشكل متكرر، تنشأ لديه قناعة لا تقل قوة عن القناعة التي يحملها خصومه، لكنه يعجز عن التعبير عنها. والسبب ليس ضعفًا في الفكرة، بل وجود قوة مقابلة تفرض سرديتها بوصفها “المنطق الوحيد المقبول”. وهذا ما يؤدي إلى حالة من الإرباك الداخلي، يصل فيها الفرد إلى حد الشك في بديهياته. فهل المطالبة بوقف الحرب موقف منطقي، أم تهمة بحد ذاتها؟

هذا التراكم دفع بهذه الفئة إلى حالة من التردد المزمن. فهي مقتنعة بأن الحرب يجب أن تتوقف، لكنها في الوقت نفسه لا تزال أسيرة تداعيات القمع السابق، الذي ربط أي نقاش حول إسرائيل بالخيانة.

قبول الهزيمة أو الانتحار بنكرانها

لعبت التحولات الأخيرة في المقابل دورها في تحرير هذه الفئة، وخصوصًا مع اتساع فضاءات التعبير. فاكتشف مؤيدو هذه الفئة أنهم ليسوا وحدهم، وتمكن جزء منهم من كسر حاجز الخوف، وأخرجوا إلى العلن مواقف كانت حتى وقت قريب، لا تُقال إلّا همسًا.

ومع ذلك، لا يزال البعض يعيش صراعًا داخليًا بين قناعة عقلية بضرورة الخروج من الحروب، وإرث نفسي يربط هذا الخيار بالخطر المعنوي. فيجد هؤلاء أنفسهم مضطرين لتبرير موقفهم، أو التعبير عنه بحذر شديد، وكأنهم يدافعون عن خطأ، لا عن خيار حياتي بديهي.

قد يشكل تحرر هذه الفئة واتساعها في المقابل رافعة للشرعية في جهودها لوقف الحرب، إلا أنها تبقى غير كافية لإسكات الصوت المعارض. وهذا ما يضع الدولة أمام مهمة أصعب بكثير من أي تفاوض.

فبعد كسر تابو اللقاء، قد لا يكون العائق في المفاوضات حصرًا، بقدر ما هو في الالتزام بنتائجها. وهذا تحديدًا يتطلب قدرة على تكوين قناعة وطنية موحدة بأن الخطر الحقيقي على لبنان ليس في قبول الهزيمة، بل في إنكارها الذي يستمر بدفع شباب لبنانيين ولبنان عمومًا إلى الموت العبثي أو حتى الانتحار.

المصدر: imlebanon

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مرقص: وقف إطلاق النار أولوية في محادثات واشنطن
التالى لقاء واشنطن يؤكد استقلال قرار لبنان الخارجي عن ايران