كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
شهد جنوب لبنان تصعيدًا كبيرًا في اليومين الأخيرين أعاد البلاد إلى أجواء الحرب والنزوح، بعدما رفعت إسرائيل وتيرة استهدافاتها ووسعت نطاقها، وشنت غارات عنيفة أدت إلى سقوط المزيد من الضحايا، مذرعة بالمسيرات التي أطلقها “حزب الله”. فخلال الأسبوع الممتد من 31 آب إلى 6 أيلول، شنّ الأخير هجمات بمسيرات انتحارية على القوات الإسرائيلية، من دون نتائج تذكر.
أراد “الحزب” من خلال مسيراته التغطية على السقوط الفاضح لمرتفعات “علي الطاهر”، وتوجيه رسالة ميدانية بأن هذه السيطرة لا تقف حائلا أمام قدرته على استهداف القوات الإسرائيلية. لكنه في الوقت ذاته منح حكومة نتنياهو الغطاء الذي تريده لتنفيذ المزيد من الاعتدءات، والإمعان في تدمير المباني وتجريف الأراضي، ورفع الكلفة الديموغرافية والجغرافية لأي عمل حربي ضمن استراتيجية “الرد غير المتناسب” التي تتبناها إسرائيل لفرض معادلة ردع جديدة.
في ظل هذا الواقع الذي يدركه “حزب الله”، و”الحرس الثوري” الذي يسيّره، ثمة أسئلة جوهرية مطروحة: ما الجدوى العسكرية أو الأمنية أو السياسية لهذه المسيرات؟ ولماذا الإصرار على إطلاقها طالما أنها عاجزة عن إحداث تأثير في موازين القوى في الميدان، أو على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران؟ ومن هو المتضرر الأكبر منها؟ هل تستهدف القوات الإسرائيلية أم الدولة؟
في مكان ما تبدو هذه المسيرات وكأنها موجهة إلى صدر الدولة وصناع قرارها، وتستهدف وأد أي مكسب ناشئ عن المفاوضات، رغم أن العقل السياسي الذي يقف خلف قرار إطلاقها يعرف أن نتنياهو لا يريد منح لبنان شيئًا، مهما كان وزنه، ويفضل دخول الانتخابات كـ”إله حرب”. رفض “الحزب” بعناد تسليم منشآت “علي الطاهر” إلى الشرعية، فسقطت بيد إسرائيل رغم كل الدعاية التي صورتها كأنها “ستالينغراد”، وهشمت المزيد من صورته المتآكلة وجعلته مادة للسخرية داخليًا وخارجيًا.
وبدل الاتعاظ مما حصل، نجد أنه مستمر في نهج التدمير الذاتي. دعاية إعلامية تسوّق أفكارًا حول طاولات موازية وتسويات مفترضة، ومقابلة التصعيد الإسرائيلي بتصعيد مواز وأكثر حدة تجاه الدولة تحت عنوان فشل الخيار الدبلوماسي، وتحميلها وحدها كلفة الفشل.
بيد أن الواقع يقوض هذه السياسة الدعائية، فإطلاق إسرائيل سراح 5 أسرى لم يكن “عربون ودّ” تجاه “الحزب”، ولا توطئة لحواره مع أميركا، بل كان ثمرة ضغط سياسي أميركي لإنجاح المسار التفاوضي الذي أسسته وترعاه واشنطن. يضاف إلى ذلك ما نشرته “هيئة البث الإسرائيلية”، نقلا عن مصادر عسكرية، حول اعتزام إسرائيل الانسحاب من الخط الأصفر، وتنفيذ عملية إعادة انتشار نحو خط جديد “رمادي”، بما يتناغم مع “اتفاق الإطار”.
ورغم أن مصطلح “إعادة الانتشار” تعرض للرجم والأبلسة على مدى أشهر، إلا أنه يثبت في نهاية المطاف أن الدبلوماسية ليست صفرًا، ولا تشريعًا للاحتلال، ولا تنازلا عن السيادة، بقدر ما هي “فن الممكن” تحصيله وفق الإمكانيات المتاحة، بما يتسق مع العنوان الذي تبناه بعبدا “الحد من الخسائر”، والمناورة على ضفاف المعادلات الناشئة وفي طليعتها “الأرض مقابل السلاح” التي تلوح بها أميركا.
أما مسيرات “الحزب” الانتحارية، التي تشبه نهجه، فلم تفتح ثغرة في ميزان القوة، لكنها فتحت أبوابًا جديدة للكلفة. فتدمير مستشفى غندور في النبطية يحمل نُذرًا سلبية حول إعادة طرح فكرة احتلالها على طاولة البحث. زد عليها أن مواصلة الاعتداءات على قوات “اليونفيل” بالتزامن مع احتدام النقاش حول القوة البديلة، يطلق النار على مساعي الدولة لانتزاع تمديد جديد لها، ويصب في خانة تدعيم الـ”فيتو” الأميركي – الإسرائيلي المانع لأي محاولة لإعادة تدويرها.
وعليه، طالما أن هذه المسيرات لا تغيّر ميزان القوى عسكريًا، وتستجلب المزيد من والقتل والدمار، وتزيد كلفة الحرب، وتمنح إسرائيل ذرائع للتصعيد، وتضعف موقف الدولة، فالسؤال الذي يفرض نفسه: على من تطلق على هذه المسيرات فعليًا؟ على إسرائيل أم على قرار الدولة ومسارها التفاوضي، أم على حاضنة “الحزب” والمدنيين الذي يدفعون كلفة الدم والخراب؟.
أخبار متعلقة :