موقع دعم الإخباري

بعد سقوط تلة علي الطاهر هل يتم تدارك السيناريو الأخطر في النبطية؟

كتب سعد الياس في القدس العربي:

بعد التفجير الضخم الذي طال تلة علي الطاهر بحوالي 100 طن من المتفجرات وتسبب بهزة أرضية بقوة 4.1 على مقياس ريختر، لم تعد الأنظار تتركز على هذه التلة ومصيرها كموقع عسكري في جغرافيا الجنوب، بل باتت الأنظار متحوّلة إلى ما بعد تلة علي الطاهر وهل سنشهد مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله، وما مصير مدينة النبطية التي تعتبر عاصمة جبل عامل في حال استمرار الانسداد السياسي والعسكري وإدارة الظَهر لـ”اتفاق الإطار”؟

إن أهمية ما حدث في تلة علي الطاهر لا تكمن فقط في خسارة مرتفع استراتيجي، بل في الرسالة التي يحملها: فإسرائيل تبدي استعدادها للانتقال من سياسة الضربات المحدودة إلى فرض وقائع ميدانية جديدة طالما بقي سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة، وهذا ما يجعل النبطية اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية.

وكان لافتاً ما صدر عن أهالي في النبطية من نداء هو الثاني على التوالي في غضون 4 أشهر، مطالبين بإرسال الجيش فوراً إلى النبطية لإنقاذ عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية، ومحذرين من “أن الخطر أصبح اليوم مباشراً”. وأشار الموقعون على النداء إلى “أن النبطية وقراها مهددة اليوم بأن تلقى مصير قرى وبلدات ومدن سبقتها إلى الهدم والتهجير”، مؤكدين “أن أهل النبطية لا يريدون حرباً جديدة. هم يريدون أن يعيشوا في مدينتهم وقراهم بأمان، وأن تعود الحياة الطبيعية إلى الجنوب، وأن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم”.

إلا أن من يتابع تصريحات مسؤولي حزب الله حتى بعد سقوط تلة علي الطاهر يرى أن الحزب لم يبدّل نهجه ولم يقم بمراجعة نقدية لأدائه أو يسلّم بالرجوع إلى منطق الدولة اللبنانية وتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني، بل ما زال مصراً على المقاومة التي كما قال مسؤول حزب اللّه في منطقة البقاع حسين النمر “لا تخاف ولم تهن أو ترتجف، ولن توقفها الصعوبات وأننا ما زلنا في زمن السيد حسن نصر الله، الرجل الذي رفع راية الانتصارات وحققها”، فيما اعتبر عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب إبراهيم الموسوي أن “إسرائيل تحاول تحويل ما جرى إلى صورة نصر وإنجاز عسكري هائل، ضمن حرب نفسية وإدراكية تستهدف التأثير في الوعي”.

وأن استمرار حزب الله في رفض الانخراط في المسار الذي لا يتيح للجيش اللبناني السيطرة على الأنفاق والمواقع العسكرية التابعة له كما فعل في تلة علي الطاهر يعني أن إسرائيل ستواصل حربها وعملياتها العسكرية وهذا ما يشير إليه بصراحة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس.

وهنا تبرز المفارقة المؤلمة كلما تأخر تسليم السلاح للدولة، ازدادت مساحة التدخل الإسرائيلي، وكلما اتسعت العمليات الإسرائيلية، دفع الجنوبيون واللبنانيون الثمن. ولا يمكن الجزم مسبقاً بخطوة إسرائيل المقبلة، لكن التطورات الأخيرة تسمح برسم ثلاثة مسارات محتملة:

الأول هو تكثيف الضربات الجوية والاستهداف الاستخباري ضد ما تعتبره إسرائيل مواقع عسكرية ومخازن سلاح وأنفاقاً، مع محاولة إبقاء المعركة تحت سقف عملية عسكرية محدودة.

الثاني هو تثبيت واقع أمني في المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ولا سيما المرتفعات الاستراتيجية، وتحويلها إلى مناطق عازلة أو نقاط مراقبة تمنع حزب الله من إعادة بناء بنيته العسكرية. وقد أعلنت إسرائيل بالفعل أنها تريد تعزيز وجودها في منطقة علي الطاهر لمنع استعادة الموقع.

أما السيناريو الأخطر فهو توسيع العمليات البرية تدريجياً وممارسة ضغط عسكري على النبطية ومحاصرتها امتداداً إلى الزهراني ومرتفعات جبل الريحان في قضاء جزين وإقليم التفاح وهي آخر النقاط العسكرية لحزب الله في الجنوب.

من هنا، يتجدد السؤال عما ستفعله الدولة اللبنانية لمنع القضم الإسرائيلي للمساحات والتلال، وهل سيشكل مؤتمر دعم الجيش اللبناني في 17 أيلول الحالي محطة ضغط دولية على الدولة لتنفيذ قراراتها بشأن حظر الأجنحة العسكرية والأمنية لحزب الله؟

حتى الآن، لا مؤشرات على وجود نية لإدخال الجيش في مواجهة مع حزب الله وكل الإجراءات التي تتخذها قيادة الجيش من تعزيز لانتشار وحداتها في النبطية والجوار تقتصر على تثبيت حواجز ونقاط مراقبة موقتة وتعداد لكميات أسلحة مصادرة بينها 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، بينها عشر منصات لإطلاق الصواريخ، وسبعة صواريخ، وست مسيرات، وواحد وخمسون مُذَنَّبًا، وعشر قنابل طيران، و1560 قطعة ذخيرة خفيفة، إضافة إلى عدد كبير من الألغام والعبوات، كما ورد في بيان الجيش الذي لم تُقنع إجراءاتُه كثيرين ممن يطلبون تدابير حازمة وفرضاً فعلياً للهيبة والأمن ودهماً للمستودعات وتطبيقاً صريحاً لقرارات الحكومة في 2 آذار، وألا تكون بيانات الجيش الحالية كتلك التي صدرت حول منطقة جنوب نهر الليطاني والتي تبيّن بعدها أن لا سيطرة عملياتية على تلك المنطقة وأن ترسانة حزب الله بقيت على حالها.

أما قول الجيش اللبناني إن وقف الاعتداءات الإسرائيلية والخروق هو العامل الأساسي لاستكمال الجيش انتشاره وتنفيذ مهامه وفق اتفاق الإطار فهو كلام حق، لكنه لا يُغني عن قيام المؤسسة العسكرية بدورها في نزع السلاح وفقاً لما ورد في هذا الاتفاق.

فالطريق إلى حماية النبطية وما تبقّى من قرى وبلدات جنوبية كي لا تتحول إلى بنت جبيل أو خيام أخرى يمر من خلال استعادة الدولة قرارها، وليس من خلال إبقاء الجنوب عالقاً بين سلاح خارج الشرعية وجيش إسرائيلي محتل يوسّع هامش عملياته وسيطرته كلما اعتبر أن الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سلطتها. أما الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يرافقه قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى النبطية وزوطر الغربية، فتؤكد فعلاً أن الرئاسة أصغت إلى نداء أهل النبطية وهي تؤشر إلى وجود إرادة رئاسية بالتعامل بجدية مع الواقع والانتقال من الأقوال إلى الأفعال.

أخبار متعلقة :