كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:
لم تعد أزمة القطاع العام في لبنان محصورة في قيمة الراتب أو عدد الرواتب الإضافية التي تُمنح للموظفين، بل باتت تمسّ قدرة الإدارة العامة نفسها على الاستمرار. فسنوات الانهيار المالي والنقدي أفرغت الأجور من جزء كبير من قيمتها، فيما تحوّلت المساعدات والتقديمات المؤقتة إلى مكوّن أساسي من دخل الموظف، من دون أن تعيد إلى الراتب أساسه أو تؤمّن استقرارًا طويل الأمد للعاملين والمتقاعدين. وفي موازاة ذلك، ارتفعت كلفة التنقل والمحروقات والخدمات، ليجد الموظف نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: يعمل كي يحصل على راتب، وينفق جزءًا متزايدًا من هذا الراتب للوصول إلى عمله.
يلفت ممثل تجمع روابط القطاع العام إبراهيم نحال إلى أن “معالجة أزمة القطاع العام لا يمكن أن تبقى أسيرة المساعدات والبدلات المؤقتة”، معتبرًا أن “المطلوب الانتقال إلى سياسة أجور واضحة ومستدامة تعيد تصحيح أساس الراتب وتحفظ حقوق الموظفين والمتقاعدين، بالتوازي مع إصلاح المالية العامة وتحسين الجباية ومكافحة الهدر”.
ستة رواتب… لا تكفي
يرى نحال أن “منح ستة رواتب إضافية يشكل خطوة مهمة في ظل الواقع المعيشي الصعب، لكنه لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره تصحيحًا نهائيًا للأجور. فالراتب الأساسي، بحسب المقاربة التي يطرحها، ما زال عاجزًا عن عكس الكلفة الفعلية للمعيشة، فيما تراكمت فوقه بدلات ومساعدات أصبحت ضرورية لاستمرار الموظف، من دون أن تدخل بصورة كاملة في صلب الأجر”.
ويؤكد نحال لـ “نداء الوطن”، أن “المطلوب هو بناء سياسة أجور متكاملة، تبدأ بتصحيح تدريجي للراتب الأساسي، وتوحيد قواعد الزيادة بين مختلف فئات العاملين والمتقاعدين، وإعادة النظر في التعويضات العائلية والمنح التعليمية والاستشفائية، وصولا إلى إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة تعكس المتغيرات الاقتصادية والتضخم”.
كلفة الوصول إلى العمل
لا يقف النزف عند حدود الراتب. فارتفاع أسعار المحروقات وكلفة النقل جعل بدل النقل نفسه جزءًا أساسيًا من معركة الموظف اليومية. ويشير نحال إلى أن “الموظف بات يدفع من راتبه للوصول إلى مركز عمله، فيما فقد البدل المقطوع، البالغ 1.5 مليون ليرة عن صفائح البنزين، جزءًا كبيرًا من قيمته بفعل التضخم”.
ومن هنا تبرز مطالبة روابط القطاع العام برفع بدل النقل وفق معايير واضحة، وربطه بصورة دورية بأسعار المحروقات وكلفة المعيشة ومعدلات التضخم، بحيث لا يتحول الوصول إلى مكان العمل إلى اقتطاع إضافي من الأجر.
ويأتي ذلك في وقت دعت فيه رابطة موظفي الإدارة العامة إلى الإضراب في 25 أيلول، مؤكدة أن الملف لم يعد يحتمل التأجيل، وأن استمرار الإدارة العامة يتطلب تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لموظفيها.
قطاع عام يتهاوى
يضع نحال هذه المطالب في “إطار أوسع يتعلق بمستقبل الإدارة العامة نفسها. فالقطاع الذي يفترض أن يشكل العمود الفقري للدولة يعاني تآكلا متواصلا في قدرته البشرية، فيما أصبحت الوظيفة العامة عاجزة عن تأمين مستوى معيشي مستقر للموظف.
وبحسب هذه الرؤية، فإن استمرار الاعتماد على المساعدات والبدلات لا يعالج أصل المشكلة، بل يؤجلها. فالموظف يحتاج إلى راتب واضح ومستقر، لا إلى منظومة من المساعدات التي قد تتغير بتغير الظروف والقرارات الحكومية. كما أن المتقاعد لا يمكن أن يبقى خارج أي تصحيح فعلي للأجور، في ظل فقدان المعاشات جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية.
من أين يأتي التمويل؟
لا يرى نحال أن “تحسين رواتب القطاع العام يجب أن يعني تلقائيًا فرض أعباء ضريبية جديدة على المواطنين، بل يطرح ضرورة إعادة النظر في طريقة إدارة موارد الدولة. فالجباية، في رأيه، يجب أن “تستهدف أولا التهرب والتخلف عن الدفع والتهريب والانتفاع غير العادل من أملاك الدولة، بالتوازي مع ضبط الإنفاق والهدر وتحسين إدارة المؤسسات العامة”.
وهنا تصبح موازنة 2027 اختبارًا حقيقيًا للدولة: ليس المطلوب مجرد تسجيل توازن رقمي بين الإيرادات والنفقات، بل تحديد الكلفة السنوية الفعلية لأي زيادة في الرواتب، وتحديد مصادر تمويلها بصورة دائمة، وإظهار الوفر الناتج عن مكافحة الهدر والتهرب بصورة قابلة للرقابة.
ويشدد على أن “إنقاذ القطاع العام لا ينفصل عن إصلاح الإدارة والمالية العامة. فتصحيح الأجور يحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة، ورقمنة المعاملات، وضبط الازدواجية في الرواتب والتعويضات، وتحسين الجباية، وإصلاح الكهرباء، وتفعيل أجهزة الرقابة، بما يسمح للدولة بتأمين موارد مستدامة بدل الاعتماد على حلول ظرفية”.
في المقابل، فإن ترك الموظف في مواجهة التضخم وكلفة النقل وتراجع الخدمات يعني عمليًا إضعاف الإدارة العامة نفسها، لأن الدولة لا تستطيع أن تطلب من موظفيها الاستمرار في العمل من دون أن تؤمّن لهم الحد الأدنى من الاستقرار.
مفترق حاسم
الرسالة في نهاية المطاف، تتجاوز مطلب زيادة راتب أو بدل نقل. فالقطاع العام، كما يرى نحال، يقف أمام مفترق حاسم بين معالجة جدية تعيد الاعتبار إلى الأجر والوظيفة العامة، وبين استمرار سياسة البدلات المؤقتة التي أبقت الموظف في دائرة الانتظار. فستة رواتب قد تخفف جزءًا من الضغوط، لكنها لا تعيد وحدها القيمة الفعلية للأجر، ولا تحل مشكلة بدل النقل، ولا تضمن مستقبل الموظف والمتقاعد. المطلوب، وفق هذا الطرح، أن تتحول موازنة 2027 من أداة لتغطية النفقات إلى مدخل لإعادة بناء سياسة أجور وإدارة عامة قادرتين على الصمود. فالقطاع العام المتصدع لا يحتاج إلى مسكنات إضافية بقدر حاجته إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة وموظفيها على قاعدة أجر عادل، حقوق مستقرة، وإدارة قادرة على الاستمرار.
أخبار متعلقة :