كتب يوسف عبد النبي في “اللواء”:
بين “الكرّ والفرّ” الذي يتحدث عنه حزب الله، و«التدمير والتجريف» الذي تنتهجه إسرائيل، تتبدّل ملامح المعركة في الجنوب، وتتسع رقعة المواجهة من المواقع والمرتفعات إلى محيط النبطية وإقليم التفاح. فالمشهد لم يعد مجرد تبادل للنار، بل مواجهة بين تكتيك يقوم على الحركة والمناورة والاستنزاف، وآخر يعتمد على القوة النارية وتدمير ما تعتبره إسرائيل بنى عسكرية للحزب.
الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم كشف بوضوح عن طبيعة التكتيك المعتمد حالياً، عندما تحدث عن الصمود في مواقع مثل علي الطاهر وبنت جبيل وعيتا الشعب، قبل اعتماد أسلوب «الكرّ والفرّ» عندما تصبح كلفة البقاء في الموقع مرتفعة. وبمعنى آخر، لا يبدو أن الحزب يتمسّك بكل موقع مهما كانت الكلفة، بقدر ما يراهن على الحركة والمبادرة واستنزاف القوة المقابلة.
لكن ماذا يحدث عندما يواجه هذا التكتيك جيشاً يملك تفوقاً جوياً ونارياً واسعاً؟
إسرائيل تحاول الإجابة بتوسيع دائرة الاستهداف. فبعد التركيز على محاور ومرتفعات جنوبية، بدأ القصف يطال محيط النبطية، وصولاً إلى ميفدون وسُجُد ومناطق في إقليم التفاح. وفي ميفدون، جاء الاستهداف في سياق إعلان الجيش الإسرائيلي عن إطلاق مسيّرة من لبنان، فيما استخدمت إسرائيل مروحية «أباتشي» في الغارة، في مؤشر إلى استمرار التصعيد وتنوع الوسائط المستخدمة.
وفي سُجُد ومحيطها، تكرر استهداف ما تقول إسرائيل إنه مواقع أو بنى مرتبطة بحزب الله، بالتزامن مع استمرار القصف والتدمير في عدد من المناطق الجنوبية.مراجع جغرافية
وهنا تكمن المفارقة: حزب الله يعتمد «الكرّ والفرّ» لتجنب تثبيت قواته في مواقع يمكن استهدافها واستنزافها، فيما تحاول إسرائيل، عبر القصف والتدمير والتجريف، منع هذا التكتيك من التحول إلى حرب استنزاف طويلة.
لكن السؤال الأساسي هو: هل تسمح إسرائيل باستنزاف قواتها في الجنوب؟
فإذا نجح الحزب في إبقاء المواجهة ضمن نمط متحرك، واستمر في تنفيذ ضربات محدودة ثم الانسحاب وإعادة الانتشار، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام معركة طويلة ومكلفة، من دون حسم سريع. وعندها يصبح السؤال: هل تواصل إسرائيل التدمير والتجريف، أم تنتقل إلى توسيع عملياتها لكسر هذه المعادلة؟
وفي المقابل، هل سيبقى الحزب ضمن استراتيجية الاستنزاف، أم سيتجه إلى ضربة أوسع في محاولة لفرض معادلة ردع جديدة؟
والسؤال الأكثر حساسية: إذا قرر الحزب توسيع المواجهة، فهل سيكون القرار نابعاً من حسابات الجبهة الجنوبية، أم سيبقى مرتبطاً بالحسابات الإيرانية ومسار الحرب الأوسع؟
من النبطية إلى إقليم التفاح، تبدو المعادلة واضحة: كرّ وفرّ في مواجهة تدمير وتجريف، واستنزاف في مواجهة قوة نارية تحاول كسر هذا الاستنزاف. أما اتجاه المعركة، فلن تحدده كثافة النار وحدها، بل قدرة كل طرف على فرض إيقاعه، قبل أن تتقدم حسابات الإقليم لتفرض إيقاعاً آخر.
أخبار متعلقة :