موقع دعم الإخباري

سلام: لا نهضة حقيقية من دون فكر حرّ ودولة قوية

أكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب لا يحتفي بالكتاب وحده، بل بما يمثّله من معرفة وفكر وإبداع، وبالدور الذي أدّته بيروت، على امتداد عقود، في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية.

ولفت سلام، في كلمة ألقاها خلال افتتاح المعرض، إلى أننا نلتقي في زمن تتلاحق فيه الأخبار، وتتدفق الصور والمعلومات، وتتسارع التحولات التكنولوجية إلى حد بات معه الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج نصوص في ثوانٍ، فيما لا يزال الكتاب يحتاج إلى وقت كي يُكتب ويُقرأ، وإلى تأمّل كي يُفهم، متسائلاً عمّا إذا كنا متمسكين بعادة من زمن مضى، أم أن في الاحتفاء بالكتاب ما يتجاوز الحنين إليه.

وأشار إلى أن الإجابة تبدأ من التوقف عند طريقة طرح الأسئلة وسرعة الوصول إلى الأجوبة، والتمييز بين وفرة المعلومات وعمق المعرفة، مؤكداً أن الكتاب لم يفقد مكانته في العالم، لكنه يتغيّر، وتتغيّر معه عادات القراءة ووسائل النشر وطرق وصول المؤلف إلى القارئ. وشدد على أن هذه التحولات تزيد الحاجة إلى الفكر النقدي والقدرة على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الحقيقة والتضليل، لأن التكنولوجيا تستطيع أن تضع بين أيدينا ملايين المعلومات، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التفكير، ولا تستطيع أن تحل مكان الضمير الإنساني والخيال المبدع.

وتوقف سلام عند الدور الثقافي لبيروت، معتبراً أنها كانت لعقود طويلة أكثر من مدينة تطبع الكتب، بل مساحة تتلاقى فيها الأفكار وتعبرها اللغات، ويجد فيها كتّاب ومفكرون عرب منابر لم تكن متاحة لهم في بلدانهم. وأوضح أن ريادتها لم تكن في عدد المطابع ودور النشر وحده، بل في مناخ الحرية والانفتاح الذي أتاح للكلمة أن تصل، وللأفكار أن تتلاقح، وللاختلاف أن يجد مكاناً له.

ولفت إلى أن اختيار اليونسكو بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009، وتكريسها مدينة مبدعة للأدب عام 2019، يشكّلان اعترافاً بمكانتها الثقافية، لكنهما يحمّلان اللبنانيين أيضاً مسؤولية الحفاظ على هذا الدور وتطويره.

وأشار إلى أن العالم العربي تغيّر، ونشأت مراكز جديدة للبحث والنشر، وتوسعت الاستثمارات في الصناعات الثقافية، فيما استنزفت لبنان أزمات متلاحقة، من الانهيار الاقتصادي إلى انفجار مرفأ بيروت، فالحروب والنزوح وهجرة الطاقات. وقال إن من حق اللبنانيين أن يفتخروا بما كانت عليه بيروت، لكن ليس من حقهم أن يكتفوا بذلك، فالماضي مصدر قوة حين يُستلهم، لا حين يُسكن فيه.

وعن حركة الكتاب في لبنان اليوم، رأى سلام أن الصورة تجمع بين الصعوبات ومظاهر الحيوية، إذ تواجه دور نشر أعباء كبيرة، وتكافح مكتبات للاستمرار، في مقابل إصدارات جديدة ومبادرات ثقافية وشباب يكتبون ويقرأون ومعارض لا تزال تستقطب جمهوراً واسعاً. واعتبر أن لبنان ربما يكون في مرحلة تقع بين النهضة الجديدة ومحاولة الصمود، لكن المؤكد أن الصمود وحده لا يصنع نهضة، فالصمود يحفظ ما تبقّى، أما النهضة فتخلق ما لم يكن موجوداً.

وأكد أن النهضة المنشودة تحتاج إلى أكثر من معارض ناجحة، على أهميتها، بل إلى صناعة نشر قادرة على التطور، ومكتبات متجددة، وحركة ترجمة فاعلة، واستثمار جدي في التربية والثقافة، فضلاً عن مجتمع يؤمن بقيمة المعرفة، ويشجّع حرية التفكير، ولا يخشى النقد أو الاختلاف.

وفي السياق، شدد سلام على أن الحديث عن النهضة الثقافية يقود بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان، موضحاً أن البلد لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب، بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه. ولفت إلى أن المطلوب لا يقتصر على إعادة بناء بعض مؤسسات الدولة، بل يشمل إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، ومكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم.

وقال إن وضع قوانين جديدة لا يكفي إذا استمر التعامل مع القانون بوصفه قابلاً للاستثناء، أو مع المؤسسات بوصفها أدوات لخدمة المصالح الخاصة، أو مع المواطنة بوصفها انتماءً يأتي بعد الانتماءات الأخرى. واعتبر أن النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني، بل هي أيضاً نهضة في الفكر السياسي والثقافة الوطنية ومفهوم المسؤولية العامة، تعيد الاعتبار إلى العقل في مواجهة التعصّب، وإلى المعرفة في مواجهة التضليل، وإلى الحوار في مواجهة التخوين، وإلى المواطنة في مواجهة الانقسامات.

وأضاف أن هذه النهضة تدفع إلى مراجعة المسلّمات التي قيّدت التفكير، والممارسات التي أضعفت المؤسسات، والتسويات التي أجّلت المشكلات بدل أن تحلّها، مشدداً على أن المطلوب ليس تغيير بعض الأشخاص فحسب، بل تغيير الكثير من القواعد والممارسات التي حكمت الحياة العامة، وتجاوز التسليم بمنطق إدارة الأزمات إلى فعل بناء الدولة. وأوضح أن ذلك لا يشكّل دعوة إلى القطيعة مع التاريخ، بل إلى امتلاك الشجاعة لمراجعته، والتعلّم من التجارب، والتوقف عن تكرار الأخطاء.

وأشار سلام إلى أن اللبنانيين دفعوا أثماناً باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة، فخسروا أرواحاً وأرزاقاً وبيوتاً ومدّخرات، وخسر كثير من الشباب الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم. وأكد أنه، في وقت يجري العمل على استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار، فإن هذه المسارات مترابطة، والنجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى.

وشدد على أنه لا اقتصاد قابلاً للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتاً من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة. ولفت إلى أن ذلك يضمن ألّا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة.

وأكد أن استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي لبنان، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم. واعتبر أن الدولة المنشودة لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون.

وأضاف أن هذه هي المهمة التي يجري العمل من أجلها، مع إدراك أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها، لكن صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفي من تحمّل المسؤولية.

وفي هذا الإطار، قال سلام إنه لا يمكن المطالبة بدولة عادلة وقبول المحسوبية حين تخدم المصالح، أو المطالبة بمؤسسات قوية ثم تجاوزها حين لا تناسب قراراتها، أو الدعوة إلى الوحدة الوطنية فيما تستمر تغذية الانقسامات. كما لا يمكن بناء مستقبل مختلف إذا ظل اللبنانيون أسرى الأفكار نفسها التي ساهمت في إنتاج أزماتهم.

ورأى أن أهمية النهضة الفكرية والثقافية تبرز هنا، إذ يحتاج لبنان إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لهذا التنوع. كما يحتاج إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة.

وشدد على أن النهضة الفكرية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي، بل هي أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته. وأضاف أنه لا يريد تحميل الثقافة والكتاب أكثر مما يحتملان، فلا كتاب يوقف حرباً بمفرده، ولا رواية تعيد إعمار قرية، ولا قصيدة تصلح اقتصاداً، لكن الأفكار تصنع الخيارات، والخيارات ترسم مصائر الشعوب.

وأكد أن معركة النهوض بلبنان لا تنفصل عن المعركة ضد الجهل والتعصّب والانغلاق، وعن السعي إلى ترسيخ التفكير الحر والمسؤول، وتوسيع المساحات المشتركة بين اللبنانيين.

وأعرب سلام عن تطلعه إلى أن تستعيد بيروت مكانتها في صناعة الكتاب، لا باعتبارها مجرد امتداد لماضٍ مجيد، بل بوصفها مركزاً متجدداً للإبداع والترجمة والنشر والحوار، وأن يكون المعرض أكثر من مناسبة سنوية لعرض الكتب وبيعها، بل مساحة للقاء بين الأجيال والأفكار، ومنبراً لأسئلة جديدة، ومحفّزاً لمبادرات تبقي القراءة والمعرفة حاضرتين في الحياة على مدار السنة.

وحيّا القائمين على المعرض والناشرين والكتّاب والمترجمين والمحررين وأصحاب المكتبات، وكل الذين يحافظون على الحياة الثقافية رغم الصعوبات.

وختم سلام بالتأكيد أن لبنان يقف اليوم أمام فرصة للانتقال من مجرد السعي إلى استعادة ما خسره، إلى العمل على بناء ما يريده لمستقبله، مشيراً إلى أن النهضة المنشودة لا يمكن أن تكون مشروع حكومة وحدها، ولا مسؤولية فئة دون أخرى، بل مسؤولية وطنية جامعة يلتقي فيها دور الدولة مع دور الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، ومع إرادة اللبنانيين أنفسهم.

وقال إن لبنان الذي يريد استعادة سيادته وبناء دولته وإعمار أرضه يحتاج أيضاً إلى أن يستعيد ثقته بعقله وطاقاته وقدرته على التغيير، مضيفاً أن بيروت قد تتعب وتنزف ويثقل الحزن قلبها، لكنها لا تستسلم، ولا تفقد ذاكرتها، ولا تتخلى عن رسالتها.

وأكد أن «بيروت التي تقرأ لا تموت، وبيروت التي تكتب لا تُهزم، وبيروت التي تفتح أبوابها للكتاب ستبقى، كما كانت دائماً، مدينةً للحياة، وعاصمةً للكلمة الحرة، ومنارةً عربيةً لا تنطفئ».

ودعا إلى أن تكون أيام المعرض مساحة أمل وسط الركام، ورسالة إلى العالم بأن بيروت، مهما اشتدت عليها المحن، ستبقى تطبع الكتاب، وتحتضن المبدعين، وتضيء شمعة المعرفة في وجه عواصف الجهل والحرب، مؤكداً أنه «لا نهضة حقيقية من دون فكر حر، ولا دولة قوية من دون مواطنين أحرار، ولا وطن ينهض إذا فقد أبناؤه القدرة على أن يتخيّلوا له مستقبلاً أفضل».

وختم بالقول: «عاش الفكر الحرّ، وعاش معه الكتاب».

أخبار متعلقة :