موقع دعم الإخباري

الإيجارات القديمة.. أزمة بلا تسوية

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

تُشكّل قضية الإيجارات السكنية القديمة واحدة من أكثر الملفات القانونية والاجتماعية تعقيدًا في لبنان، نظرًا إلى تشابك الحقوق التعاقدية مع الاعتبارات الاجتماعية والمعيشية، وما خلّفته القوانين الاستثنائية المتعاقبة من اختلال في العلاقة بين المالك والمستأجر. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأعباء المالية، يتجدّد النقاش حول حدود الحماية التي ينبغي أن يوفرها القانون لكل من الطرفين، والمسؤولية التي تتحملها الدولة في تأمين السكن اللائق من دون المساس بحقوق الملكية الخاصة.

تؤكد رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المحامية أنديرا الزهيري لـ “نداء الوطن”، “ضرورة إعادة التوازن إلى العلاقة الإيجارية”، مشددة على أن “معالجة الأزمة السكنية لا يجوز أن تستمر عبر تحميل المالكين القدامى وحدهم أعباء سياسات إسكانية لم يضعوها، بعدما حُرم كثير منهم لعقود من الانتفاع الفعلي من أملاكهم والحصول على مردود عادل منها”. وترى أن “حماية المستأجر المحتاج يجب أن تترافق مع إنصاف المالك، وأن تتولى الدولة مسؤولياتها الاجتماعية من خلال سياسات إسكانية مستدامة، بدلا من إبقاء كلفة هذه المسؤولية على عاتق فئة واحدة من المواطنين”.

انتهاء المهل القانونية وضرورة احترام الأحكام القضائية

توضح الزهيري أن “انتهاء مهلة السنوات التسع في 28 شباط 2026 يستدعي تطبيق أحكام قانون الإيجارات السكنية لعام 2014 وتعديلاته (2017)، وفقًا لنصوصه وتفسيره القضائي، مع مراعاة أوضاع المستأجرين الذين تنطبق عليهم شروط الاستفادة من حساب الدعم، والذين قد تمتد المهلة القانونية الخاصة بهم حتى 28 شباط 2029، وفقاً للشروط والإجراءات المعمول بها”.

لكن استمرار هذه الحالات خلال الفترة الممددة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء المالك أسير بدلات إيجار رمزية لا تتناسب مع القيمة الفعلية للمأجور، أو إلى تكريس وضع دائم يحرم صاحب الملك من حقوقه. وتشدد الزهيري على “ضرورة احترام الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم المختصة، وعدم تعطيل حقوق أصحاب الأحكام أو إعادة فتح نزاعات حُسمت وفق الأصول، خارج الحالات التي يجيزها القانون”.

حق السكن لا يلغي حق الملكية

تؤكد الزهيري أن “الأمان التشريعي لا ينشئ بحد ذاته حقوقًا مكتسبة في ظل قوانين الإيجارات الاستثنائية، ولا يجوز أن يتحول ضمان الاستقرار لفئة من المواطنين إلى انتقاص من الحقوق المشروعة لفئة أخرى ( تأكيد من المجلس الدستوري). فالمالك والمستأجر متساويان أمام القانون، وحماية الحق في السكن لا تبرر تحويل الانتفاع بالعقار إلى حق دائم على حساب صاحبه”.

وتشدد على أن “عقد الإيجار يتيح الانتفاع بالمأجور لقاء بدل حقيقي وصحيح وضمن شروط ومدة يحددها القانون أو الاتفاق، لكنه لا يؤدي بذاته إلى انتقال الملكية إلى المستأجر، كما أن تسديد البدلات على مدى سنوات طويلة لا يعني تملّك العقار”. وترى أن “القوانين الاستثنائية المتعاقبة، على مدى أكثر من سبعة عقود، أحدثت خللا في التوازن التعاقدي وأثقلت كاهل مالكين وورثة وجدوا أنفسهم عاجزين عن استثمار أملاكهم أو الاستفادة منها بصورة عادلة”.

تحديث الأرقام

تشير الزهيري إلى أن “البيانات المنسوبة إلى إحصاءات وزارة المالية حتى عام 2019 أظهرت وجود نحو 64 ألف وحدة سكنية مؤجرة بعقود منظمة/ معقودة قبل 23 تموز 1992، وخاضعة لنظام الإيجارات الاستثنائي. وتقدّر أن العدد تراجع بنحو 80 % حتى عام 2026، نتيجة التسويات الرضائية وشراء بعض المستأجرين الوحدات التي يشغلونها، فضلا عن أحكام قضائية أدت إلى انتهاء العلاقة الإيجارية أو سقوط الحق في التمديد في الحالات التي يجيزها القانون”.

وتدعو إلى “إجراء إحصاء رسمي شامل يحدد العدد الفعلي للوحدات المتبقية و التي لا تزال خاضعة للنظام الاستثنائي وأوضاعها القانونية”، مؤكدة أن “انتهاء المهلة لا يعني إخلاء المستأجر فورًا تلقائيًا، إذ يخضع الإخلاء للأصول والإجراءات والأحكام القانونية والقضائية الواجبة التطبيق”.

الدولة مسؤولة

تتساءل الزهيري عن “أسباب عدم تفعيل برامج الإيجار التملكي بصورة جدية ومستدامة، وعدم تعزيز دور المؤسسة العامة للإسكان ومصرف الإسكان، إلى جانب اعتماد آليات فعالة عبر وزارة الشؤون الاجتماعية لمساعدة الأسر الأكثر حاجة”.

وتعتبر أن “الحق في السكن يتطلب سياسة وطنية متكاملة تشمل الإسكان الاجتماعي والقروض المدعومة والإيجار التملكي والمساعدات الموجهة إلى المستحقين وفق معايير شفافة”. وتؤكد أن “المستأجر المحتاج يستحق الحماية، لكن المالك القديم المحتاج يستحق بدوره الإنصاف، إذ ليس كل مالك ثريًا أو قادرًا على تحمل الخسائر إلى ما لا نهاية”.

كما تلفت إلى أن “أعباء المالكين القدامى لا تقتصر على بدلات ايجار زهيدة، بل تشمل الضرائب والرسوم البلدية والعقارية وتكاليف الصيانة والترميم ونفقات إصلاح الأبنية ورسوم نقل الملكية والإرث، إضافة إلى المستحقات المتراكمة على المآجير التي كان يشغلها المستاجر التي قد يتحملها المالكون أو ورثتهم وفقًا للقوانين المنطبقة على كل حالة”. وتحذر من أن “نقص الموارد اللازمة للصيانة يفاقم تدهور الأبنية القديمة والمتصدعة، بما قد يهدد السلامة العامة،وخصوصًا بعد تمنع بعض المستاجرين القدامى بدفع ما يتوجب عليهم”، داعية إلى “وضع آليات عادلة لتسوية المتأخرات وإطلاق برنامج وطني لترميم الأبنية المتضررة”.

إنصاف المالكين

تذكّر الزهيري بأن “قانون الإيجارات رقم 160/1992 جاء في سياق مرحلة انتقالية أعقبت الحرب الأهلية وانتهى بعد 23 / 7 / 1992 وخضعت العقود لقانون 159/ 92 أي لمبدأ حرية التعاقد وقانون الموجبات والعقود وظلت العقود المعقودة قبل هذا التاريخ الى قانون الاستثناء والذي أقر له قانون الأماكن السكنية عام 2014 وتعدل 2017، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسكنية معقدة، إلا أن التدابير الاستثنائية المتعاقبة تحولت إلى مصدر نزاع مستمر بين المالكين والمستأجرين”. وترى أن “تغير الظروف وتراكم الأزمات الاقتصادية والمالية لا يبرران استمرار تحميل المالكين القدامى تبعات هذه السياسات وحدهم، أو المساس بالحقوق التي استقرت بموجب أحكام قضائية نافذة”.

إن معالجة ملف الإيجارات القديمة لا يمكن أن تقوم على تغليب حق على آخر، أو نقل أعباء الأزمة من فئة إلى أخرى، بل تستدعي إطارًا قانونيًا واضحًا يضمن تطبيق الأحكام النافذة، ويحمي المراكز القانونية المستقرة، ويتيح معالجة الحالات الاجتماعية الأكثر هشاشة من خلال برامج دعم فعلية. وبين حق المالك في ملكه وحق المستأجر في السكن، تبقى مسؤولية الدولة أساسية في وضع حلول متوازنة ومستدامة تنهي النزاع المتراكم، وتمنع استمرار تحميل أي طرف وحده كلفة أزمة تتجاوز قدرته ومسؤوليته.

أخبار متعلقة :