كتب الان سركيس في “نداء الوطن”:
تُطوى صفحة “اليونيفيل” في الجنوب على وقع طبول الحرب، وتجد الدولة اللبنانية نفسها أمام سباق مع الوقت لمنع تحوّل الانسحاب الدولي إلى فراغ أمني مفتوح على كل الاحتمالات. فالمظلة التي استند إليها لبنان لعقود باتت مهددة بالسقوط، فيما تتقدم الحسابات الإسرائيلية والأميركية على محاولات بيروت إنقاذ ما تبقى من حضور دولي في مرحلة لا تحتمل مغامرة جديدة.
في وقت يتصاعد احتمال الحرب، تؤكد مصادر رسمية لـ”نداء الوطن” أن لبنان تبلغ أن مجلس الأمن قد يجتمع منتصف تشرين الثاني للبحث في مصير القوات الدولية، وسط أجواء سلبية لا توحي بأن التمديد سيكون سهلا. وتصطدم المساعي اللبنانية برفض إسرائيلي وفيتو أميركي، ما يضع مستقبل “اليونيفيل” أمام منعطف حاسم، ويفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تمامًا في الجنوب حيث تتشابك الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية.
وتتحرك رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية على خط الاتصالات الدولية، في محاولة لتأخير الانسحاب ومنح الدبلوماسية فرصة إضافية لتفادي الأسوأ. ويواصل الرئيس جوزاف عون اتصالاته لإنقاذ الموقف، لكن الطريق يبدو شائكًا، بعدما باتت واشنطن وتل أبيب تدفعان نحو ترتيبات أمنية جديدة لا تشبه الصيغة التي قامت عليها مهمة “اليونيفيل”. وبين إصرار بيروت على إبقاء القوات الدولية ورفض الطرفين الأميركي والإسرائيلي، تتقلص مساحة المناورة، فيما يقترب موعد الحسم.
وتكشف المعطيات أن لبنان يدرس ثلاثة سيناريوهات في حال سقط خيار التمديد. يقضي الأول بتشكيل قوة أوروبية متعددة الجنسيات، تبدي دول عدة استعدادها للبقاء في الجنوب، وفي مقدمتها فرنسا. وقد تستند هذه القوة إلى شرعية من الأمم المتحدة من دون أن تعمل تحت رايتها مباشرة، بما يتيح استمرار حضور دولي بصيغة مختلفة عن “اليونيفيل”.
ويقوم السيناريو الثاني على انتشار قوات أوروبية من دون غطاء أممي، وهو خيار يطرح علامات استفهام حول صلاحياتها وطبيعة مهمتها وقدرتها على العمل في بيئة شديدة التوتر. أما الثالث، فيتمثل في قوة أوروبية بقيادة إيطالية، بعدما اصطدمت مشاركة فرنسا برفض أميركي وإسرائيلي، ما يدفع باتجاه البحث عن صيغة بديلة أقل استفزازًا لواشنطن وتل أبيب.
لكن السيناريو الأكثر ترجيحًا يبقى فشل المساعي وانسحاب “اليونيفيل”، ليجد الجيش اللبناني نفسه أمام مسؤولية محاولة ملء الفراغ. وهنا تكمن العقدة الأساسية، إذ لا يكفي انتشار الجيش وحده لضمان الاستقرار، إذا استمرت الاعتداءات الإسرائيلية وبقيت الترتيبات الأمنية معلقة. وسيكون على الدولة إثبات قدرتها على فرض حضورها في الجنوب، وسط ظروف ميدانية لا تشبه تلك التي رافقت انتشار القوات الدولية قبل عقود.
وتزداد المخاوف بعد تعثر مفاوضات تامبا، من دون تحديد موعد جديد لاستئنافها، فيما يبقى احتمال الحرب حاضرًا بقوة. وتتجه الأنظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، بعدما تجمدت الملفات الأساسية بانتظار اتضاح المشهد السياسي في تل أبيب، في وقت يحاول فيه عون إبقاء خطوط التواصل مفتوحة ومنع انهيار المسار الدبلوماسي.
ومع اقتراب منتصف تشرين الثاني، لا يواجه لبنان استحقاق انتهاء مهمة دولية فحسب، بل احتمال الدخول في مرحلة بلا ضمانات واضحة. فإذا أُغلقت أبواب التمديد، لن يكون السؤال عن هوية القوات التي ستغادر، بل عن الجهة القادرة على منع الفراغ من التحول إلى شرارة حرب جديدة. عندها، قد لا يكون خريف “اليونيفيل” نهاية مهمة أممية وحسب، بل بداية شتاء سياسي وأمني ثقيل على لبنان، يصعب التكهن بموعد انقشاعه.
أخبار متعلقة :