موقع دعم الإخباري

الشيخ نعيم و”الحزب” بين فكَّي نتنياهو

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

سقطت رهانات “حزب الله” حتى على التغيير الذي يمكن أن يأتي من إسرائيل، بعدما فقد أي أمل بأن يكون قادرًا على صناعة أي تأثير، أو حتى على تحسين وضعه الأمني والعسكري. كان “الحزب” يبحث عن “انتصار” تصنعه صناديق الانتخابات الإسرائيلية، بحيث يفقد رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتيناهو الأكثرية ويخسر ويخرج من السلطة. ولكن نتائج الانتخابات خيّبت أمل “الحزب” وجعلته مرّة جديدة واقعًا بين فكّي نتنياهو.

لم يكد “حزب الله” بقيادة أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله يستجدي عبر الحكومة اللبنانية وقفًا لإطلاق النار، حتى عاجله رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو بإصدار الأمر باغتياله وهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال دقائق كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تنفّذ المهمة التي انتظرتها طويلا. كان السيد نصرالله قد أيقن بعد ضربة البيجر الكبرى في 17 أيلول 2024، التي اعترف بأنّها خسارة جسيمة ونجاح إسرائيلي كبير في اختراق حزبه وأجهزة الأمن التابعة له، أنّه في وضع صعب. فاعتبر أنّه مسؤول في شكل مباشر عن تسهيل هذا الاختراق، عندما أمر بعدم استخدام الهواتف الخلوية، معتبرًا في كلمة له أنّها أجهزة تجسّس وأفتى في المقابل باللجوء إلى أجهزة البيجر. لذلك عندما بدأت هذه الأجهزة تتفجر وتفجّر حامليها، ومن بينهم السفير الإيراني مجتبى أماني ومسؤولين في “الحزب”، لم يفهم في البداية ماذا يحصل. وعندما رأى صور القتلى والجرحى بالآلاف في الشوارع والمستشفيات، غرق في صمت عظيم وسيطرت عليه كآبة لأنّه حمّل نفسه ذنب ما نَجَمَ عن قراراته، وأيقن أنّه عاجز عن اكتشاف مدى الاختراق الإسرائيلي لحزبه ولبيئته وساحاته.

نصرالله ووقف للنار بأي ثمن

عندما بدأ نصرالله حرب المساندة في 8 تشرين الأول 2023، كان لا يزال يعتبر أنّه يتمتّع بتفوّق كبير على إسرائيل وجيشها وأجهزة مخابراتها، وأنّه بكبسة زرّ يمكنه أن يقصف كل المواقع الإسرائيلية، وأن يجعل اليهود يفرّون عبر البحر ويختنقون في المطارات. فجأة ظهرت الصورة مقلوبة عندما تأكّد أنّ هذه الضربات الإسرائيلية ناتجة عن تفوّق إسرائيلي لا يمكن ردمه أو التخفيف منه. زاد من هذه القناعة قيام إسرائيل بقصف مقرّ قيادة قوات الرضوان وقتل القائد العسكري ابراهيم عقيل وبقصف مواقع الصواريخ والمسيّرات التي كان نصرالله أعطى أمرًا بأن تمطر إسرائيل بالقذائف، ردًّا على اغتيال القائد العسكري الأقرب إليه فؤاد شكر، الحاج محسن، في آخر تموز 2024. لذلك بحث نصرالله عن وقف للنار بأي ثمن. وبواسطة رئيس مجلس النواب نبيه بري حمّل رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي ووزير الخارجية السابق أيضًا عبدالله بو حبيب موافقته على وقف النار خلال زيارتهما إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة السنوية. ولكن كان قد فات الأوان ودفع نصرالله الثمن قبل أن تستكمل إسرائيل عملية الإطباق على “الحزب” وتغتال خليفته السيد هاشم صفي الدين. ما لم يحصل في أيلول صار أمرًا واقعًا في 27 تشرين الثاني 2024 عندما وافق الحزب على اتفاق وقف النار الذي صار رسميًا عندما وافقت عليه الحكومة.

في ظلّ قيادة الحرس الثوري

كان الشيخ نعيم قاسم قد صار في ذلك الوقت أمين عام “حزب الله”، ولكن كان الحرس الثوري الإيراني قد تسلّم زمام القيادة المباشرة على الأرض من أجل إعادة ترميم هيكلية “الحزب”، وجمع ما تبقى له من كوادر وأسلحة. بعد 11 يومًا فقط جاءته الضربة الأكبر من خلال سقوط نظام الأسد في سوريا وقطع الطريق البرّي بين طهران وبيروت.

خلال عام ونصف التزم “حزب الله” الصمت العسكري. كان يريد أن يتجنّب جرّ إسرائيل للعودة إلى حرب كبرى، وكان في الوقت نفسه، يعتبر أنّه قادر على تجاوز الضربات الصغرى التي تنفّذها. ولكن كل ذلك انتهى في أول آذار 2026، عندما أعلن حرب المساندة الثانية، بعد نجاح واشنطن وتل أبيب باغتيال المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي. وعلى عكس ما تمنّاه “الحزب” نجحت إسرائيل في الانقضاض عليه مرة جديدة واستكملت تدمير ما أعاد استجماعه من قدرات عسكرية، وظهر بوضوح أنّ كل سرديته حول النجاح في الخروج من السيستيم الذي نجحت إسرائيل في اختراقه كان وهمًا وسرابًا، وكانت النتيجة وبالا عليه وعلى بيئته وناسه. عندما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة كان “الحزب” قد وصل إلى الوضع الذي كان عليه قبل وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، وصار بحاجة إلى وقف جديد للنار جاء أولا عن طريق اتفاق طهران وواشنطن على الهدنة في 7 نيسان، ثم عن طريق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران 2026.

ولكن ما لم يكن يتوقعه “حزب الله” قد حصل. يوم الأربعاء الأسود استهدفت إسرائيل نحو مئتي موقع تابع له في ضربة واحدة تشبه ضربة البيجر، وتوسعت دائرة الاختراق الإسرائيلي لترسم حدودًا عسكرية جديدة كانت آخر ما أنجزته السيطرة على قلعة شقيف أرنون ومرتفعات علي الطاهر.

عاجز عن الردّ

عند هذا الحدّ، كان “الحزب” فقد القدرة على الردّ وعلى أيّ نوع من أنواع المواجهة على الأرض، بحيث صارت الطريق مفتوحة أمام الجيش الإسرائيلي نحو النبطية وإقليم التفاح وصور، وحتى نحو الضاحية الجنوبية. بات “الحزب” يتلقى الضربات وبدل أن يردّ على إسرائيل صار يهاجم الحكم والحكومة في لبنان. وكان ينتظر أن يربح مع الوقت من خلال استحقاق الانتخابات في إسرائيل ثم في واشنطن. ولكنّ آماله قد خابت مرّة جديدة عندما لم يخرج نتنياهو من المعادلة وفعل العكس وثبّت نفسه في موقعه عائدًا أكثر قوة وحضورًا ودعمًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

كان حزب الشيخ نعيم، الغائب عن الأنظار، يُمَنّي النفس بهزيمة نتنياهو في الانتخابات حتى لو كان من سيأتي محله أسوأ منه. كانت المسألة تتعلّق بالرد على من اعتبر أنّه السبب في النكبات التي حلّت عليه. ولكنّه وجد نفسه مرّة جديد أسير هذا الرجل الذي يسعى ليكون أهمّ رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل، والراغب في أن يرى “حزب الله” مدمّرًا مع النظام التابع له في إيران وساعيًا ليمشي على الطريق الذي سار عليه سلفاه مناحيم بيغن وأرييل شارون، عندما أجبرا ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية على الخروج مع مسلحيهم من لبنان.

نتيناهو يذهب أبعد مما ذهب إليه بيغن وشارون. اجتياح 1982، لم يكن يهدف إلى استحداث مناطق عازلة وخالية من السكان. ولا كان يريد أن يغيّر خريطة لبنان وحدوده. أقصى ما كان يريده انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية وتوقيع اتفاق سلام معه، انتهى الأمل إلى إتفاق 17 أيار 1983 ثم إلى الانسحاب، وترك لبنان يغرق في أزماته من جديد وترك الرئيس أمين الجميل يحكم بالكاد في قصر بعبدا.

نتيناهو يريد أكثر من ذلك بكثير. حربه اليوم لا تقتصر على لبنان ولذلك لم يكن هدفه انتخاب بشير جميّل جديد، بل هو يريد تغيير خريطة المنطقة كلّها وإسقاط النظام في إيران. هذا ما يقوله نتنياهو وهذا ما يفعله وهو لا يعتبر أنّ “حزب الله” يمكن أن يشكّل عائقًا أمامه، بعدما قضى على أيّ قدرة له على الصدّ والمقاومة. بعد إعادة تثبيت موقعه في السلطة يمكن القول إنّ مسألة استكمال عملية القضاء على “الحزب”، لن تستغرق وقتًا طويلا. ويمكن القول أيضًا إنّ الحظ السيئ يرافق “الحزب” بحيث أنّه ينتقل من هزيمة إلى أخرى، من دون أن يتمكّن من وقف هذه السلسلة إلا من خلال الإدعاء أنّه منتصر بينما هو في الواقع واقع بين فكّي كماشة نتنياهو وفي قبضته وتحت رحمته.

أخبار متعلقة :