كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:
يبتسم نائب سابق امتلك علاقات وثيقة مع الفاتيكان والمراجع الروحية في لبنان وتولى مسؤوليات حزبية وأهلية رديفة لدور الكنيسة، عندما يُسأل عن مدى فعالية الكرسي الرسولي في توفير دعم جدي للبنان الوطن والدولة الضامنة للحريات والتنوع. ويعتبر، أن “الفاتيكان بإدارته ودبلوماسيته يتمتع بصبر طويل ولا يستعجل شيئًا لأنه يؤمن بأن المشيئة الإلهية، لا بد أن تفعل فعلها ولو تأخرت، وأن الانفعال والتسرّع لا يفيدان بشيء بل كثيرًا ما يقلبان الأمور رأسًا على عقب”.
لكن النائب السابق يستدرك قائلًا: “عندما يحزم الفاتيكان أمره لا يتردد أبدًا في خوض التحدي، بعد دراسة متأنية لمختلف وجوه أي قضية يريد التصرف حيالها”. وفي رأيه، أن “زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان لن تكون لها مفاعيل فورية، بل ستكون موضع تقويم وقراءة على صعد عدة، ليبنى على الشيء مقتضاه، لكن الأكيد أن أثرها المعنوي سياسيًا واجتماعيًا سيكون كبيرًا، وأول عناوينه منح دعم وزخم كبيرين لعهد الرئيس جوزاف عون ومن خلاله للحكومة، لا سيما أن العلاقة الجديدة بين العهد والفاتيكان عكست منذ البداية ارتياحًا وثقة متبادلة، علمًا أن رئاسة الجمهورية تتولى الإشراف على مختلف ترتيبات الزيارة وتفاصيلها بدعم وتنسيق مع الكنيسة، باستثناء الجانب الروحي والليتورجي، مع اهتمام الرئاسة الأولى بتأمين التكاليف المختلفة من المتبرعين وأهل الخير”.
ويقول سفير لبناني سابق لدى الكرسي الرسولي، إن “البابا في العادة لا يتابع مباشرة التفاصيل المتعلقة بالمجموعات الكاثوليكية التابعة له في مختلف أنحاء العالم، والتي يبلغ عدد أفرادها نحو مليار ونصف مليار نسمة، إلا في حالات معينة على غرار حالات الحروب والنزاعات العنفية التي تطاول تلك المجموعات، أو ما قد تتعرض له من تضييق وتنكيل وضغوط أو مآسٍ وكوارث طبيعية”.
ولذلك، يعتمد الحبر الأعظم على الدبلوماسية الفاتيكانية العريقة، وعلى شهادات المراجع الروحية في القارات والبلدان المختلفة من كرادلة ومطارنة وأساقفة ومن رهبانيات وجمعيات ومنظمات كنسية أو تستظل الكنيسة. وهذه حال لبنان الذي ينجح دائمًا من خلال تركيبته الفريدة والحضور المسيحي المتقدم فيه باحتلال اهتمام خاص لدى البابوات على التوالي، علمًا أن البابا الراحل فرنسيس تأخر بعض الشيء في إيلاء لبنان أهمية خاصة، نظرًا لعنايته بالقضايا الاجتماعية من فقر وتهميش وتمييز، لكنه استدرك الأمر لاحقًا، واستطاع أن يعوّض ما فات من خلال متابعة لصيقة للأوضاع اللبنانية عبّر عنها بمواقف ومبادرات شتى، وصولًا إلى طلب الإعداد لزيارة لبنان والتي لم تتم بعد تدهور صحته في الفترة الأخيرة من حياته .
في أي حال، تؤكد المعلومات المتطابقة أن البابا لاوون الرابع عشر على اطلاع كاف على الشأن اللبناني وإن كان لا يتابع التفاصيل السياسية، إلا المهم والاستثنائي منها، لكنه يدرك جوهر المشكلة اللبنانية جيدًا، ويعرف أهمية الوجود المسيحي في وطن الأرز، بالتوازي مع أهمية التفاعل الإيجابي مع الشريك المسلم، على قاعدة الاعتراف بالآخر، والتأكيد على الطابع التعددي الذي يحفظ للمكونات على اختلافها خصوصياتها كما حقوقها التي توازي الحقوق الفردية أحيانا.
وفي المعطيات المتوافرة، أن البابا لاوون يعرف عن لبنان واللبنانيين الكثير، فهو ولد ونشأ في شيكاغو في ولاية إيلينوي التي تضم عشرات آلاف اللبنانيين أو المتحدرين من أصل لبناني، كما يعرف العديد من اللبنانيين أو من أصل لبناني في البيرو التي خدم فيها بضعة عشر عامًا لا سيما في الأبرشية التي تولى رعايتها.
ويدرك البابا لاوون “الكبير” من خلال تجاربه الأبرشية والرعوية أن الاعتراف بالتنوّع وحقوق المجموعات الثقافية، بات حالة متقدمة عالمية حتى في دول أميركا اللاتينية ومن ضمنها البيرو، والتي عرفت طويلًا بجمهوريات الموز. كما يدرك أن الانفتاح الذي يميّز معظم الأنظمة العربية مع ريادة للملكة العربية السعودية، يساهم جدًا في تعزيز واقع التنوّع والشراكة الفعلية في لبنان.
على أن بابا السلام، كما بدأ يطلق عليه، مقتنع جدًا بأهمية بل بحتمية السلام في المنطقة ومن ضمنها لبنان، ولذلك، لا بد من التخلي عن خيار الحروب والصراعات وصولًا إلى الانتظام العام وتغليب خيار الحوار والسلام، الذي تبقى إيجابياته ولو لم تكن كاملة، أفضل بكثير من سلبيات الحرب والصراع الذي لا يعرف نهاية في المشرق. على أن السلام المطلوب في العرف البابوي، هو سلام العدالة وحق كل شعب في تقرير مصيره ورفض منطق التوتاليتارية والهيمنة الأحادية.
في مطلق الأحوال، سيلتقي البابا لاوون عددًا كبيرًا من أهل السياسة والشخصيات العامة ووجوه المجتمع المدني في القصر الجمهوري، وسيسمع سريعًا بعض التمنيات والملاحظات، لكن الأكيد، أن هناك أكثر من طرف سياسي سيسعى إلى إيصال رسائل لا سيما بخلفية سياسية لقداسة البابا بطريقة أو بأخرى، أو سيعمل على تمهيد الطريق أمام وصولها إلى الفاتيكان لاحقًا، خصوصا وأن الكثير من الأمور والوقائع تبلغ الفاتيكان من خلال صداقات معينة، تتخطى أحيانا كثيرة القنوات الرسمية.
ويقول رئيس إحدى الروابط المسيحية في مرحلة سابقة إنه، وبعدما شرح مطولًا لوزير خارجية الفاتيكان بعض دقائق الأزمة اللبنانية، بدا وكأن الوزير لم ينصت جيدًا له، بل سأله، ولكن أين الرئيس الذي كان قبلك ولماذا لا يكلمني؟
أخبار متعلقة :