موقع دعم الإخباري

طرابلس تهتز لتصحو على ركام انهيار مبنى آل المير

كتب مايز عبيد في نداء الوطن:

كانت الحاجّة (ن)، الجارة الأقرب للعائلة في المبنى المقابل في الطابق الخامس، تراقب المشهد بصمتٍ ثقيل. لم تصرخ، فقد أيقظها صراخ الجيران وصوت الانهيار. ولم تبكِ، لأن الصورة كانت أشدّ إيلامًا من أيّ بكاء. شدّت عباءتها ووقفت تحدّق في الركام، حيث كان منزل آل المير قائمًا حتى ساعات قليلة مضت.

نحو الثالثة فجر السبت، اهتزت طرابلس من جديد، مع انهيار مبنى سكنيّ في منطقة القبة، محوّلًا السّكون الليليّ إلى فوضى، وموقظًا مدينة باتت تستقبل كوارثها بصبرٍ منهك. هو المبنى الثالث الذي ينهار في طرابلس خلال أسبوع واحد، في مؤشر خطير على تسارع وتيرة الانهيارات، في واحدة من أكثر الأزمات التي تعيشها عاصمة الشمال منذ سنوات ومن دون أي رؤية واضحة لحلّ.

شهادات الجيران

أوائل الواصلين كانوا الجيران. فالانهيار لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان متوقعًا ومؤجَّلًا. فجرٌ آخر تستيقظ فيه طرابلس على صوت الخراب، مع سقوط مبنى متصدّع أعاد فتح جراح مدينة تعيش منذ سنوات على حافة الانهيار.

الغبار ملأ المكان، والهلع سيطر على الأهالي الذين هرعوا من منازلهم خوفًا من انهيارات إضافية في حيّ مكتظ ومتهالك. ومع وصول فرق الدفاع المدني، بمؤازرة الجيش والصليب الأحمر اللبناني، بدأت عمليات البحث والإنقاذ في سباق مع الوقت للوصول إلى أفراد العائلة الخمسة الذين كانوا داخل المبنى لحظة الانهيار.

عمليات دقيقة نُفذت وسط ظروف بالغة الصعوبة، بسبب ضيق المكان، وحساسية الموقع، وسوء الأحوال الجويّة، فضلًا عن المخاوف من تضرّر الأبنية المجاورة التي تعاني بدورها من هشاشة بنيويّة واضحة.

سقوط مبنى مجاور

وبحسب معلومات “نداء الوطن”، فإن مبنى آل المير من الأبنية القديمة، وكان يعاني منذ فترة من تشققات ظاهرة، فيما ساهم انهيار أحد المباني المجاورة، الذي كان قد أُخلي سابقًا من سكانه، وسقوطه فوقه، في تسريع الانهيار.

ولا يختلف حال هذا المبنى عن عشرات الأبنية المتصدّعة المنتشرة في أحياء طرابلس، ولا سيّما القديمة منها، في القبة، وباب التبانة، والبداوي، والسويقة، والأسواق الداخلية، حيث يعيش السكان في ظروف سكنية صعبة وسط غياب أيّ حلول مستدامة.

وتتجاوز خطورة المشهد حدود موقع الانهيار، إذ تشير تقديرات هندسية إلى أن قرابة 300 مبنى في طرابلس باتت مهدّدة بالسقوط في أي لحظة، ناهيك بآلاف المباني (أكثر من 2000 مبنى) التي تعاني أوضاعًا إنشائية بالغة الصعوبة، يُخشى أن يتحوّل انهيارها إلى مسألة وقت في حال لم تخضع لأعمال ترميم وتدعيم عاجلة.

واقع يضع آلاف السكان أمام خطر دائم، في مدينة تتآكل أبنيتها بصمت، فيما لم تسبق الكارثة أي معالجة جدّية.

آخر المعطيات

ميدانيًا، واصلت فرق الإنقاذ عملها لساعات طويلة وسط ترقب وقلق الأهالي. وحتى ساعة إعداد هذا التقرير، كانت فرق الإغاثة قد انتشلت أربعة أشخاص من أصل خمسة من أفراد العائلة، هم الأب والأم وولدان، فيما تواصلت الجهود للوصول إلى الشابّة أليسار التي تعمل كممرّضة.

زيارة وزير الداخلية

وعاين وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار السبت موقع الانهيار واطّلع على حجم الأضرار، مستمعًا إلى تقارير من فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية حول مجريات الحادث، وشدّد على ضرورة استكمال الأعمال الجارية واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على سلامة الأبنية المجاورة وحماية السكان، لافتًا إلى أن الحكومة لديها خطة للمعالجة.

الهيئة العليا للإغاثة

وتفقد الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة، العميد بسام نابلسي، المبنى المنهار وأعمال الإغاثة، وقال: “المشكلة في مدينة طرابلس تشبه كرة اللهب وهي مشكلة مركّبة وغير بسيطة، فهناك 105 مبانٍ وفق إحصاء بلدية طرابلس بحاجة إلى توجيه إنذارات فورية لقاطنيها لإخلائها. نحن نعمل على المستويين: تأمين المأوى لهم عبر بيوت جاهزة، وأيضًا تأمين بدل إيواء قد يُدفع لهم، وإيجاد الحلول للعائلات”.

وتابع نابلسي: “هناك اجتماع سيُعقد في السراي الحكومي برئاسة رئيس مجلس الوزراء، غدًا الاثنين، لوضع مبلغ من المال بتصرّف الهيئة للبدء بعملية التدعيم والإجراءات اللازمة لذلك”.

اعتصام الأهالي

على خلفية الانهيار، نفذ أهالي منطقة القبة عصر الأحد اعتصامًا أمام المبنى، مطالبين بوقف خطر الأبنية المهدّدة بالسقوط واتخاذ خطوات عاجلة لحماية حياتهم وممتلكاتهم.

نواب طرابلس وبيانات

وفي موازاة المشهد الميداني، برز الغياب السياسي الفاعل، إذ اكتفى نواب المدينة، وكما في كلّ كارثة مشابهة، بإصدار بيانات استنكار وتحميل الدولة مسؤولية الإهمال، من دون أن تُستتبع هذه المواقف بخطوات عملية أو تحرّك جدّي داخل المؤسّسات المعنيّة. ويعيد الواقع طرح علامات استفهام حول دور التمثيل النيابي الطرابلسي في متابعة الملفات الحياتية المزمنة، وفي طليعتها ملف الأبنية الآيلة للسقوط، الذي بقي رهينة التصريحات، فيما تُترك طرابلس لمواجهة تداعيات الإهمال عند كلّ أزمة.

وفي السياق، تابع رئيس بلدية مارتوما عمر المير، وهو قريب لعائلة آل المير، مجريات الحادث ميدانيًا، شاكرًا فرق الدفاع المدني وفرق الإنقاذ على جهودها، ومثمّنًا زيارة وزير الداخلية. وقال في تصريح لـ “نداء الوطن”: “نقدّر جهود فرق الدفاع المدني وفرق الإنقاذ، ونثمّن زيارة وزير الداخلية إلى موقع الانهيار، على أمل أن تُستكمل بخطوات عملية تضع حدًّا للإهمال، وتحمي أهالي طرابلس جميعًا من مخاطر متكررة”.

ليس ملف الأبنية الآيلة للسقوط في طرابلس جديدًا. فقد طُرح مرارًا على طاولات البلديات والوزارات المعنية، وأُعدّت دراسات، وشُكّلت لجان، ورُفعت تقارير، إلّا أن التنفيذ بقي متعثّرًا، فيما استمرّ المواطن بدفع الثمن من أمنه وسلامته.

اليوم، بعد انهيار مبنى آل المير، لم يعد السؤال عن السبب فحسب، بل عن كيفية منع التكرار. فطرابلس، المدينة المُنهَكة بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية، لا تحتمل كارثة جديدة، فيما يبقى الأهالي بانتظار خطوات عملية تحميهم قبل أن يتحوّل الخوف الصامت إلى مأساة أخرى.

أخبار متعلقة :