موقع دعم الإخباري

المدرسة الرسمية تصرخ: نعلّم باللحم الحي

كتب رمال جوني في “نداء الوطن”:

شلّت حركة الإضرابات التي طالت قطاعي العام والمدارس الرسمية، الحركةَ التعليميةَ والتجاريةَ والمعاملاتِ وغيرها. سكنت حركة الدوائر الرسمية، وتوقفت الدروس في المدارس الرسمية. خيّم الهدوء؛ لا صخب ولا ضجيج طلاب، لا شيء حتى يوحي بأن العام الدراسي سيُكمل بشكل طبيعي. الأساتذة عزموا على الإضراب لأن ما يتقاضونه لم يعد يكفيهم للوصول إلى المدارس. الغلاء الذي يصاحب الحركة الاقتصادية جعل من راتب الأستاذ غير كافٍ.

يفتح الإضراب الذي دخل يومه الثاني الباب على واقع المدارس الرسمية في الجنوب كما في كل لبنان. تواجه المدارس واقعًا صعبًا؛ تحاول أن تقدّم التربية الحديثة والمتقدمة بما تيسّر، على عكس المدارس الخاصة التي تحوّلت في معظمها إلى تجارية، تشتري وتبيع التعليم، وتقدّم الخدمات التربوية والترفيهية بأسعار مختلفة.

في الغندورية، استقدمت إحدى المدارس الخاصة الثلج إلى المدرسة لتنفيذ أنشطة مدفوعة للطلاب، في حين يبحث كثير من مديري المدارس الرسمية عن ممول يقدّم لهم ثمن التدفئة للطلاب. صناديق المدارس مفلسة، لا موارد مالية داخلها، ما يجعل التعليم فيها في مهبّ الريح.

عواصف غاضبة تهبّ من داخل المدارس الرسمية اليوم: تركتنا الدولة، نصارع طواحين الإفلاس”. لم يطرق التطور التربوي الكثير من تلك المدارس، في وقت سعت أكثريتها إلى تطوير طرائق التعليم بالمتوفر، وتحرص، وفق مصادرها، على تقديم التعليم بجودة مرتفعة، ما يجعلها منافسًا صعبًا للمدارس الخاصة، ويقول أحد مديري المدارس الرسمية في منطقة قرى بنت جبيل: “نحاول أن نبقى صامدين في وجه الأزمات التربوية التي تعصف بنا، لأننا نحرص على أن يبقى طلابنا داخل المدرسة، ويحصلوا على تعليمهم بجودة عالية”.

لكن المدرسة الرسمية تقف عند منعطف خطير، فصمودها يتكل على كفاءة المدير، وكيفية تدوير الزوايا للحصول على الدعم. ووفق المدير نفسه: “الإضراب اليوم لن يعطي المعلّم حقه، في ظل موازنة مريضة، قائمة على الضرائب أكثر مما هي قائمة على النهوض بالاقتصاد المنتج”.

وبحسبه: “نواجه أزمة تدفئة، لا مال داخل صندوق المدرسة لتوفير المازوت. الأولوية عند كل المعنيين اليوم هي للصحة، والتربية ليست في مقدّم الاهتمامات”.

المفاضلة اليوم بين التربية والصحة، التي باتت لمن استطاع إليها سبيلًا، جعلت التعليم الرسمي ينازع. أو كما يقول المدير: “نعلّم باللحم الحي، نبحث عن أي دعم لنستمر. دعم التعليم بات خارج الأولويات اليوم لمصلحة الأمن والصحة أكثر، غير أننا نحرص على أن تستمر المدرسة، لأن هناك طلابًا يريدون تحصيل علومهم ولا قدرة لأهلهم على التوجّه نحو المدرسة الخاصة”.

التعليم متوقف حاليًا بانتظار بلورة صورة الإضراب ومدى تجاوب الحكومة معه. المدرسة مشلولة ريثما ينجلي مشهد الحراك المطلبي. ما يريده الأساتذة تحسين رواتبهم من ناحية، ومعرفة مصير المثابرة وكل الدعم الملحق بالراتب. فهذه النقطة هي الأكثر جدلًا والأكثر قلقًا لدى أساتذة يدركون أن تحرّكهم قد لا يجدي نفعًا، وأن صافرة الإضرابات قد تنطلق بشكل متواصل، وهو ما لا يريدونه. فالأستاذ يذهب نحو الإضراب مكرهًا، يقول مدير إحدى المدارس: “يريد تحصيل حقه، فهو يقدّم التعليم بكل جودته، لا يبخل بمعارفه على التلامذة، يحرص على تطوير المدرسة الرسمية، غير أنه مغبون بحقوقه، وهو مطلب محق”.

إنذار الإضراب قُرِع. الأساتذة رفعوا الصوت، والمدارس الرسمية أيضًا تتحرّك لتحصيل دعم يوفر متطلبات التعليم وخدماته التشغيلية. هي سلّة متكاملة من الحقوق المشروعة التي يُفترض بالحكومة الالتفات إليها. فهل تولي المدرسة الرسمية اهتمامها، أم تبقى الغلبة للمدرسة الخاصة التي تحوّلت إلى تجارية أكثر مما هي تعليمية؟

أخبار متعلقة :