كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:
بينما يمضي لبنان وسوريا، خلال الأسبوع الجاري، في توقيع اتفاق نقل السجناء السوريين إلى بلدهم والشروع بتنفيذه فورًا، يفتح القرار نفسه، بابًا على مأزق سياسي وحقوقي جديد للدولة اللبنانية، بدأت تتظهّر ملامحه على مشارف انعقاد مجلس الوزراء يوم الجمعة الماضي.
فما إن وضع الاتفاق على جدول أعمال مجلس الوزراء، حتى تصاعدت التحرّكات المطالبة بمعاملة السجناء اللبنانيين بالمثل. وعليه، شكّل عنوان “العدالة الانتقالية لا الانتقائية” عنوانًا للقاء جامع في ساحة رياض الصلح، هو الأكبر الذي ينفذ نصرة لمطلب العفو العام، في محاولة للضغط على الحكومة “التي لا تفهم إلا بلغة الأعداد” وفقًا لما ورد على لسان أحد المنظمين.
وهكذا، اتحد موقف عائلات المسجونين اللبنانيين من عشائر بعلبك الهرمل، وعائلات دير الأحمر، مع أهالي الموقوفين من طرابلس، صيدا، عكار، عرسال والطريق الجديدة في الساحة، مع الرسالة التي نقلها السجناء أنفسهم من خلال عصيانهم بالامتناع عن الطعام، وخصوصًا في المبنى “ب” من سجن روميه، وفي سجن القبة بطرابلس، وانضمّ إليه أيضًا نوح زعيتر الذي أوقف مؤخرًا، وفقًا لما تداولته المعلومات.
أما المطالب، فهي خفض السنة السجنية ولمرة واحدة إلى ستة أشهر بدلًا من تسعة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتحديد المؤبد بسنوات محدّدة، وإخلاء سبيل من تجاوز ست سنوات دون محاكمة، وترحيل الأجانب، بما يسهم في التخفف من مشكلة الاكتظاظ في السجون وما يرافقها من تصاعد في أعداد الوفيات، التي وصلت إلى 50 حتى مطلع العام الجاري، ستة منهم قضوا في الشهر الأول من العام الجاري وفقًا لما ورد على ألسنة أهالي الموقوفين.
“مومنتم” لا ينجح في توحيد لغة التخاطب
بدا واضحًا أن السجناء اللبنانيين وأهاليهم، يحاولون من خلال “انتفاضتهم” الاستفادة من “مومنتم” متاح، لا من ناحية إقرار الاتفاقية القضائية بين لبنان وسوريا، بل من تبدل موازين القوى الإقليمية مع سقوط نظام بشار الأسد، وتراجع نفوذ سطوة محوره التي فرضت على لبنان طيلة الفترة الماضية.
إلّا أن وحدة المطلب لم تنجح بالضرورة في توحيد خطاب المطالبين بالعفو. فالشرخ الذي خلّفته الاصطفافات السياسية في الجسم اللبناني، لا يزال عميقًا، وبدا أثره واضحًا في خلفيات مخاطبة الدولة ودوافعها، حتى لو تعلّق الأمر بطلب العدالة وتطبيقها على الرعايا اللبنانيين أسوة بالسوريين.
لكلّ فئة مظلوميّتها وموقوفوها
لطالما استثمر ملف “العفو العام” بلبنان في الخلافات السياسية والانتخابية، مع أنه ملف حقوقي بامتياز. وعليه، بُرّر الامتناع عن بحثه في السنوات الماضية بانعدام التوافق. هذا التوافق الذي يطرح كشرط سياسي، بينما يرتبط غيابه باصطفافات ولّدتها الخلافات السياسية منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج سوريا التي حكمت لبنان في عهد نظام الأسد، وعمّقتها الأحداث التي وقعت في سوريا وانتهت إلى سقوط هذا النظام.
فيدراليات السجون
لم تنته تداعيات الانقسام الذي شهده لبنان على خلفية “الثورة السورية”، عند انقسام اللبنانيين بين من ناصر الثورة السورية وأوى ضحاياها، ومن أرسل شبابه إلى سوريا لمساندة نظام بشار الأسد. بل عمّقت حربها الشرخ، ليتسلّل حتى إلى السجون ويفرز نزلاءها طائفيًا.
ففي هذه الفترة بالذات، نما في سجون لبنان ملف “الموقوفين الإسلاميين”، أو من يعرفون بنزلاء سجن روميه المبنى “ب”. ومعظمهم اعتقلوا على خلفية مناصرة “الثورة السورية” وخضعوا لمحاكمات أمام القضاء العسكري، لتصدر بحقهم أحكام قاسية بتهم الإرهاب.
نأى “الموقوفون الإسلاميون” بقضيتهم عن باقي الموقوفين في المقابل، فتشكّلت لهم “فيدرالية” منفصلة داخل السجن، لم تحدّدها فقط هوية هؤلاء “السنية”، وإنما طبيعة أحكامهم القضائية، ومرجعها أمام قوس المحكمة العسكرية. لتصبح لكل فيدرالية مظلوميتها وموقوفوها وبيئتها، وأيضًا مناصروها والمدافعون عنها.
ما الذي جمع الأسير والأطرش وزعيتر؟
يبرز في فيدرالية “الموقوفين الإسلاميين” إلى جانب الشيخ أحمد الأسير الموقوف على خلفية أحداث عبرا، الشيخ عمر الأطرش من بلدة عرسال المدان بنقل سيارتين مفخختين إلى جانب اضطلاعه وفقًا لما كيل إليه بمخطط وضع لتنفيذ عمليات انتحارية في الضاحية الجنوبية لبيروت. بينما يبدو الرجل اليوم، وفقًا لآخر الفيديوات التي سرّبت من السجن، كلولب محرك لمجمل التحرّك المطالب بالعفو العام عن الموقوفين الإسلاميين، وفي تبديل صورة الإرهاب النمطية التي ألصقت بهم وعملت على “دعشنة” كلّ من خالف “محور الممانعة” في الفترة الماضية. فيما بدا نوح زعيتر الموقوف الأبرز في فيدرالية هذا المحور داخل السجن، حتى لو حاول النأي بنفسه عن “حزب اللّه”.
زوجة نوح مع حرائر صيدا في المطالبة بالعفو
سقطت “متاريس” هذه الفيدراليات في المقابل، خلال التجمع الذي نفذه أهالي السجناء اللبنانيين في رياض الصلح يوم الجمعة الماضي. فتساوت زوجة نوح زعيتر وأبناء عشيرته مع أهالي الموقوفين من عرسال، و “حرائر” صيدا.
ومع أن لولب الحراك بدا في يد أهالي الموقوفين الإسلاميين، فإنهم حرصوا على مشاركة “عشائر بعلبك” بقوّة فيه. لا من ناحية الحضور فقط، بل أيضًا من ناحية الكلمات. ربّما على قاعدة المثل الشعبي الذي يقول “الإيد اللي ما فيك الها بوسها ودعي عليها”. إذ يعلم أهالي الموقوفين الإسلاميين أن أي مطلب بتحرير أبنائهم بمعزل عن باقي السجناء، من شأنه أن يبقي الجميع داخل السجن.
في المقابل، أظهرت “العشائر” تعاليًا على ما تضمّنته بعض كلمات المتحدثين “الإسلاميين” من إدانة مباشرة للمحور الذي اصطبغت به طيلة السنوات الماضية. لتظهر كمن يفضل، أقلّه في المرحلة الحالية، أن “يركب” على فرصة انتزاع العفو لموقوفيه أسوة بالموقوفين الإسلاميين. إذ إن ظروف هؤلاء بالعفو بدت أكثر نضوجًا، ويعززها الاتفاق القضائي مع سوريا والذي سيؤدي في جزء منه إلى تحرر “سجناء الرأي” من نزلاء مبنى “الموقوفين الإسلاميين”.
المصيبة تجمع
غير أن التنوّع “السياسي” خلال الاعتصام لم يحجب أثر الـ “فيدراليات” المتسلّلة إلى السجون. إذ قدّم أهالي “الموقوفين الإسلاميين” قضيتهم كمظلومية لحقت بسنة لبنان كما سوريا على خلفية آرائهم السياسية، وقدّمت قضيتهم كجزء من شعور أوسع بالقمع السياسي، من خلال أحكام عسكرية ألصقتهم بتهم الإرهاب، وخصوصًا على خلفية مناصرة الثورة السورية، وما رافقها وسبقها من أحداث لبنانية واصطفافات حادة.
هذا في وقت لخصت العشائر مظلوميتها، بالغبن الذي تتحدث عنه دائمًا بحق أبناء بعلبك الهرمل، والذي تربطه العشائر بإقصاء بنيوي طويل الأمد لبعلبك – الهرمل عن مؤسسات الدولة، وغياب التمثيل الوظيفي، الأمني، الإداري، والتنموي، لتصوّر “اقتصاد الحشيشة” كنتيجة، وليس كخيار “إجرامي”.
نوح “يشرّف” والإرهاب تهمة سياسية
وانطلاقًا من هنا، تحوّل مطلب “الموقوفين الإسلاميين” بالعفو، إلى محاولة لانتزاع اعتراف، حتى من قبل العشائر المدعومة من بيئة “حزب اللّه”، بأن ما جرى كان ظلمًا منظمًا، وبأن القضية سياسية بامتياز لا علاقة لها بالإرهاب. لا بل حاول هؤلاء نزع الشرعية عن قانون الإرهاب نفسه، واعتباره أداة كيدية استُخدمت لمعاقبة الانحياز السياسي، مع إبراز الأحكام القصوى من الإعدام إلى المؤبد الذي حكم به معظم الموقوفين الإسلاميين، كدليل على الطابع الانتقامي والطائفي للقضاء.
بينما دفعت مظلومية أهل بعلبك عشيرة زعيتر، على لسان زعيم أكبرها “أبو أرز” إلى اعتبار “نوح زعيتر أشرف من كلّ من يأتي على سيرته”. مع إبراز استخدام القوة العسكرية القصوى من خلال استخدام المروحيات في تعقب المطلوبين وإطلاق النيران مباشرة عليهم، كمظلومية أخرى تختزل العقاب بإعدام مباشر ينفذ بحق هؤلاء، من دون أن يعطى “المتهم” حتى الحق بمحاكمة عادلة.
عدالة تنتزع من خلال الموازين الطائفية
في اعتصام رياض الصلح، بدا لافتًا أيضًا توافق ممثلي الفيدراليتين على إدانة الإهمال الذي يؤدّي إلى الموت في السجون. من دون أن يسقط ذلك تباينهما في توصيف المشكلة بلغة، حدّدت هوية كل منهما السياسية، وخصوصًا عند السؤال عن “الفرق بين من يقتلهم نتنياهو بالجنوب ويقصفهم بالطائرات، وبين من يموتون بسجن روميه، فهذا شهيد وهذا شهيد”.
بدا لافتًا أيضًا أن تلتقي الفيدراليتان في توجيه الإدانة للدولة اللبنانية، وتحويل غضبهما عليها، بدلًا من الاستمرار ضمنيًا بإدانة بعضهما البعض. وإن اختار كل طرف الجهة السياسية التي يمون عليها ليصوّب عليها.
فلم يتحدث أيّ من المعنيين بملفات الموقوفين إلى مجلس القضاء، أو النيابة العامة، أو حتى إلى الحكومة ومجلس النواب كمؤسسات دستورية. بل توجّهوا إلى المرجعيات الطائفية التي تحكم كلًا منها. وهو ما كشف عن قناعة راسخة لديهم بأن العدالة التي ينشدونها لن تُنتزع إلّا عبر موازين طائفية.
فخاطب ممثلو العشائر الرئيس نبيه بري “الذي وعد من مرجة رأس العين ببعلبك بعفو عام عن الموقوفين”. بالمقابل كان كلام المعنيين بملف “الموقوفين الإسلاميين” موجّهًا إلى “القاضيين على رأس المرجعيتين السنية الدينية والسياسية” أي رئيس الحكومة نواف سلام ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان. واعتبر هؤلاء أنه من حقهم على الرئيس سلام أن يعتكف عن إدارة أي ملف حتى يصدر قانون العفو العام.
لا بل توجّه البعض إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، كمرجعية سنية إقليمية طبعًا، “بأن يضمّ أبناءنا إلى أبنائه، لأنهم يتامى بهذا البلد”. ورفضوا أن يلاموا على هذا المطلب، “طالما أن من يطالب في الداخل تخلى عن مسؤوليته”. هذا في وقت بدا لافتًا أن يتزامن التحرّك في لبنان مع تحرّك رمزي في القصير السورية، رفعت خلاله صورة الشيخين الأسير والأطرش دعمًا لفيدرالية “الموقوفين الإسلاميين” على الأراضي اللبنانية.
تباين حتى حول تسريع المحاكمات
بعد التلاقي، تباين آخر بين الفيدراليتين. وهذه المرة، حول خارطة الطريق التي يتصوّر كل من الطرفين أنها يمكن أن تؤدي إلى العفو أو تخفيف الأحكام عن المسجونين. ففي فيدرالية المتهمين بملفات جنائية أدين التباطؤ في سَوق المتهمين إلى المحاكم والتأخير في محاكمتهم. بينما شكل وعد الدولة المتكرر بتسريع المحاكمات بالنسبة للموقوفين الإسلاميين، ذرًا للرماد في العيون، وأداة من أدوات التخدير السياسي والإعلامي، خصوصًا أن الموقوفين بهذا الملف محكومون بمعظمهم، وبعضهم أنهى محكوميته، والعدد الأكبر منهم يواجه العقوبة الأقصى أي الإعدام والمؤبد.
رغم كل التباينات، توافق الطرفان على أن مسؤولية “مظلوميتهما” جماعية وتراكمية، ولا ترتبط بعهد واحد، وهذا ما يعمّق فقدان ثقتهما بكل الطبقة السياسية.
هذا في وقت برز تفوّق طرفي المطلب على مرجعياتهما السياسية والطائفية، من خلال تقديم مطلبهما بالعفو العام كأداة توحيد وطني في مقابل السياسات التي “تفرّق”. و “إذا كان العفو العام كلمة ثقيلة، فلا بأس بمصالحة وطنية” راهن ممثل أهالي موقوفي دير الأحمر في حراك رياض الصلح على رئيس الجمهورية بأن يكون عرّابها. علمًا أن المتحدثين باسم “الفيدراليتين” في الحراك لم يخفوا الاستعداد لاستخدام مطلب العفو كسلاح في الانتخابات النيابية المقبلة، وبالتالي لمقايضته في صندوق الاقتراع، مع تهديد واضح بسحب الشرعية الشعبية عن النواب في حال تجاهله.
في الخلاصة إذًا، بدا الحراك المتصاعد لتحقيق العفو العام بالتزامن مع توقيع اتفاقية نقل السجناء السوريين، مرشحًا لأن يتحول إلى مواجهة مكشوفة مع نموذج العدالة الانتقائية التي أديرت ولا تزال بتوازنات سياسية وطائفية، فأساءت إلى الدولة وقوانينها قبل سواها.
وبينما قد يشكل تلاقي أهالي الموقوفين في ساحة رياض الصلح على مطلب العدالة “الانتقالية”، مختبرًا لإمكانية هدم المتاريس التي رفعتها الاصطفافات بوجه هذا العفو طيلة السنوات الماضية، يبقى الامتحان الأكثر جدية بهذا الملف أمام الدولة. فإما أن تحوّل الضغط الذي يمارس عليها إلى مسار عدالة شاملة، أو يعاد تدوير الملف خلال الانتخابات المقبلة، ليُستخدم كورقة ابتزاز متبادل.
أخبار متعلقة :