كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:
يجتاح الغضب الطبقات الفقيرة والعاملة وأصحاب الدخل المحدود، بعدما أقرت الحكومة زيادة ضريبية جديدة طالت صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة لبنانية دفعة واحدة. غير أن هذا الغضب، وعلى خلاف محطات سابقة، لم يترجم تحركات احتجاجية في الشارع، بل بقي مكبوتًا تحت وطأة الأعباء المعيشية الثقيلة.
مصادر صيداوية أوضحت لـ”نداء الوطن” أن غياب التحركات يعود إلى صمت غالبية القوى السياسية وغض طرفها عن القرار، في ظل العلاقة الوثيقة التي تربطها برئيس الحكومة نواف سلام، فضلًا عن تفكك قوى التغيير وتراجع نشاط الحراك المدني والشبابي لأسباب متعددة، ما جعل الشارع بلا مظلة سياسية أو تنظيمية قادرة على المواجهة.
بين القرار الرسمي والصمت السياسي، تمددت التداعيات سريعًا إلى الميدان. فقد سارع سائقو سيارات الأجرة إلى رفع التعرفة 50 ألف ليرة، لتصبح داخل مدينة صيدا 200 ألف ليرة بعد أن كانت 150 ألفًا، فيما ارتفعت إلى 250 ألف ليرة باتجاه الضواحي مثل الفيلات وسيروب والصالحية وعبرا والشرحبيل. وفي المقابل، وجد المواطنون أنفسهم أمام كلفة تنقل يومية تلتهم ما تبقى من دخلهم المحدود.
ورغم أن وزارة الأشغال العامة والنقل لم تصدر حتى الآن تسعيرة رسمية محدّثة لـ “السرفيس”، ومع إعلان اتحاد النقل البري رفضه زيادة الرسوم على صفيحة البنزين التي قاربت مليونًا و799 ألف ليرة (نحو 20 دولارًا أميركيًا)، فإن فوضى التسعير اجتاحت السوق، وباتت التعرفة تختلف من سائق إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.
يؤكد السائقون أن الزيادة فاجأتهم وأثقلت كاهلهم بأعباء إضافية لا تقتصر على ثمن البنزين، بل تمتد إلى صيانة السيارات وقطع الغيار والزيوت والفرامل، وصولًا إلى متطلبات المعيشة اليومية في ظل أزمة اقتصادية خانقة.
أبو محمد حبلي، سائق عمومي يعمل داخل صيدا، يختصر المشهد بالقول إن “الغلاء وحش التهم مدخراتنا”، مضيفًا بالعامية: “طلعت براس الشوفير”. ويشير إلى أن السائقين يدفعون رسوم الضمان من “دمهم”، وهم موعودون بدفع الفروقات، فيما لا تحركات فاعلة على الأرض. ويؤكد أنهم عالقون بين قرارات رسمية تضغط عليهم ونظرة ركاب يعتقد بعضهم خطأً أنهم يحققون أرباحًا إضافية مع كل زيادة، بينما تذهب الفروقات إلى تغطية النفقات المتصاعدة.
بدوره، يعتبر السائق أبو وائل قبلاوي أن رفع التعرفة كان أمرًا حتميًا بعد القرار الحكومي، قائلًا إن “الحكومة هي التي أجبرتنا على ذلك” ويشدد على أن العجز المالي للدولة يُسدد دائمًا من “قوت يوم المواطن”، رافضًا تحميل السائقين والركاب أعباء إضافية، ومطالبًا بإعادة النظر في الضرائب والتراجع عن القرار.
إلى جانب السائقين، يرى المواطنون أنفسهم الضحية الأولى. فالرواتب ما زالت على حالها، فيما الأسعار تواصل صعودها. وتحولت كلفة الرحلة اليومية إلى عبء يقتطع جزءًا أساسيًا من الدخل، في وقت تتزايد فيه المصاريف، ولا سيما مع حلول شهر رمضان.
منى المحمد، موظفة في محل لانجري في صيدا، تؤكد أن راتبها كان بالكاد يغطي مصروفها الشخصي قبل الزيادة، أما اليوم فقد بات الجزء الأكبر منه يُستنزف في التنقل وارتفاع أسعار السلع الأساسية. وتقول إن “كل زيادة على البنزين تعني اقتطاعًا جديدًا من مصروف البيت أو من تعليم الأولاد”، مشيرة إلى أنها لا ترى خيارًا سوى البحث عن عمل إضافي لمواجهة موجة الغلاء.
وهكذا، بين قرار ضريبي يهدف إلى معالجة عجز مالي، وشارع يئن تحت وطأة الأعباء، تتعمق الهوة بين السلطة والمواطن. فصفيحة البنزين لم تعد مجرد سلعة تُسعّر أسبوعيًا، بل تحولت إلى ميزان يومي لقياس القدرة على الصمود في وجه أزمة معيشية مفتوحة على مزيد من الضغوط.
أخبار متعلقة :