كتب أندريه مهاوج في “نداء الوطن”:
في ظل المخاوف من انزلاق لبنان إلى مواجهة عسكرية مفتوحة وشاملة لا يملك مقومات تحمّلها ، نصحت فرنسا رعاياها بمغادرة لبنان عبر الرحلات الجوية المتوافرة من مطار بيروت الدولي، الذي لا يزال يعمل حتى الآن، وذلك كإجراء احترازي على خلفية التطورات الأمنية المتسارعة.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية أن القلق لا يقتصر على سلامة الرعايا الأجانب فحسب، بل يمتد إلى الخشية من أن يتحوّل لبنان مرة أخرى إلى ساحة مواجهة إقليمية. فإقدام “حزب الله” على إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل اعتبره العديد من الأوساط الأوروبية خطوة غير مسؤولة، لأنها تضع لبنان في قلب حرب لا علاقة مباشرة له بها ولا مصلحة وطنية واضحة فيها. وتبلور هذا التشخيص خلال مشاورات جرت في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وبدا واضحًا أن باريس تشاطر أيضًا عواصم أوروبية عدة هذا التشخيص للوضع المستجد بعد إقدام “حزب الله” على فتح معركة مع إسرائيل، وهو ما عبر عنه الرئيس إيمانويل ماكرون .
وفي المقابل، تشدد باريس على أن أي دخول للقوات الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي ولسيادة لبنان كدولة مستقلة. وترى الدوائر الفرنسية أن أي توغل بري إسرائيلي في الجنوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمنح “حزب الله” حجة سياسية وشعبية إضافية للتمسك بسلاحه ولتبرير مشاركته في الحرب تحت شعار “”مواجهة الاحتلال”.
وبحسب هذه القراءة، فإن مثل هذا التطور قد يشكل خطأ مزدوجًا: فمن جهة، يتيح لـ “الحزب” تبرير استمرار نشاطه العسكري خارج إطار الدولة اللبنانية، وهو نشاط بات يواجه انتقادات متزايدة داخل لبنان نفسه باعتباره يتعارض مع قرارات الحكومة وسيادة المؤسسات الرسمية. ومن جهة أخرى، فإن أي اختراق للحدود اللبنانية يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي ويهدد بتوسيع نطاق النزاع في المنطقة.
في هذا السياق المعقد، تؤكد مصادر فرنسية أن باريس تواصل إجراء سلسلة اتصالات دبلوماسية مكثفة بهدف منع انزلاق لبنان إلى مواجهة أوسع. وتركز هذه الجهود على حماية المدنيين والحفاظ على استقرار البلاد، إضافة إلى صون المرافق العامة والبنى التحتية التي تعاني أساسًا من تدهور كبير نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية العميقة التي يمر بها لبنان منذ سنوات.
هذا التشخيص الذي قدمه رسميون فرنسيون للوضع أعقب ما أعلنه الناطق باسم الخارجية من أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أجرى محادثات مع رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام. وأعرب له عن تضامن فرنسا إزاء المحنة التي يمر بها لبنان نتيجة القرار غير المسؤول لـ “حزب الله” الانضمام إلى الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل. وأكد دعم فرنسا للقرارات التي اتخذها مجلس الوزراء من أجل وضع حد للعمليات العسكرية لـ “حزب الله”. ودعا إلى أن تبادر السلطات اللبنانية إلى تنفيذ هذه القرارات الأساسية دون أي تأخير، حفاظًا على سيادة لبنان واستقراره. وشدد على رغبة فرنسا في الحفاظ على البنى التحتية والسكان المدنيين، واحترام وحدة وسلامة الأراضي اللبنانية.
في خلفية هذا المشهد، تشير مصادر قريبة من الرئاسة الفرنسية إلى أن العملية العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تفتقر إلى غطاء شرعي دولي واضح، إذ لم يصدر بشأنها أي قرار من مجلس الأمن الدولي. ولهذا السبب عبّرت باريس عن تحفظها على هذه العمليات، مؤكدة أن أي تحرك عسكري واسع يجب أن يتم ضمن إطار الشرعية الدولية.
لكن هذه المصادر تضيف في الوقت نفسه أن إيران تتحمل جزءًا كبيرًا ورئيسيًا من المسؤولية عن التوترات الراهنة. فبرنامجها النووي، إضافة إلى سياستها القائمة على توسيع النفوذ الإقليمي ودعم حركات مسلحة في عدد من دول الشرق الأوسط، ساهمت في تصاعد حالة عدم الاستقرار في المنطقة خلال السنوات الماضية.
وبحسب التقديرات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية، فإن الأزمة الحالية قد تتجه إلى عدة سيناريوات: السيناريو الأول ، يتمثل في أن تعجز الضربات الجوية عن إنهاك القدرات العسكرية الإيرانية، ما قد يدفع القوى المهاجمة إلى وقف عملياتها العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات. غير أن مثل هذا المسار قد يؤدي في المقابل إلى تشدد أكبر من جانب النظام الإيراني.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح العمليات العسكرية في إضعاف النظام الإيراني بشكل كبير، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيرات داخلية في بنية السلطة وربما وصول قيادات جديدة إلى الحكم.
هناك أيضاً سيناريو ثالث، يتمثل في أن تعمد إيران إلى رفع مستوى الفوضى الإقليمية من خلال استهداف مصالح أو دول في المنطقة، على أمل أن يؤدي اتساع نطاق الضرر إلى تصاعد الضغوط الدولية المطالبة بوقف المواجهات.
كما لا يستبعد بعض المراقبين سيناريو رابعًا، يتمثل في محاولة النظام الإيراني إعادة إنتاج نفسه من الداخل، عبر نقل السلطة إلى قيادات جديدة من داخل المؤسسة الحاكمة تحظى بثقة نسبية لدى المجتمع الدولي وتكون قادرة على فتح قنوات حوار جديدة.
وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة، يبدو أن لبنان يقف مرة أخرى على خط التماس بين صراعات إقليمية أكبر منه، بينما تحاول القوى الدولية احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب واسعة قد يصعب السيطرة على تداعياتها.
أخبار متعلقة :