موقع دعم الإخباري

بـ “أمان الجيش” السفير البابوي “يحجّ” إلى مسيحيـي القطاع الشرقي

في الجنوب معارك وحروب ومنطقة عازلة ترتسم بالحديد والنار. لا شيء هناك يدعو إلى الأمل لولا صمود البلدات المسيحية في القطاعين الغربي والشرقي. كيف لا، ولبنان الكبير ترسّخ بفضل تضحياتهم، ومنذ ذاك الحين وهم يحملون الصليب ويسيرون به على طريق لبنان، فقط لبنان.

إزاء هذا الصمود البطولي والشهادة الحقة، زار السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا يرافقه رئيس جمعية “نورج” الدكتور فؤاد أبو ناضر ورئيس رابطة “كاريتاس لبنان” الأب سمير غاوي، القطاع الشرقي. فمنذ ساعات الصباح الأولى، انطلق الموكب من بيروت نحو الجنوب في جولة طويلة شملت بلدات دير ميماس، القليعة، جديدة مرجعيون، إبل السقي، راشيا الفخار وكوكبا، حاملًا رسالة دعم معنوي للأهالي لتشجيعهم على الصمود في أرضهم، في يوم اختلطت فيه الصلوات بأصوات القصف. ومع الوصول إلى دير ميماس، كانت أصوات الضربات تُسمع من المناطق المجاورة.

حتى خلال الصلاة، بقي صوت الحرب حاضرًا. فالغارات التي سُمعت في محيط المنطقة لم تمنع الأهالي من المشاركة في الصلاة واستقبال السفير البابوي، في مشهد يعكس إصرارًا واضحًا على الحياة رغم الخطر.

زغاريد رغم القصف

المحطة التالية كانت بلدة القليعة، حيث كان المشهد مختلفًا: الأهالي استقبلوا السفير البابوي والوفد المرافق بالزغاريد وقرع الأجراس، في رسالة واضحة بأن الحرب ومقتل الكاهن بيار الراعي لم ينجحا في كسر روح هذه القرى.

وفي هذه البلدة كما في غيرها، بدا واضحًا حجم التعلّق بالأرض. فالأهالي الذين تجمّعوا للقاء ضيفهم لم يتحدّثوا عن الرحيل، بل عن البقاء.

التمسّك بالأرض… الأطفال قبل الكبار

في جديدة مرجعيون وإبل السقي وراشيا الفخار وكوكبا، تكرّر المشهد نفسه: أهالٍ يستقبلون ضيفهم بوجوه ثابتة رغم صوت القصف الذي كان يُسمع في محيط القرى.

الرسالة التي حملها أبناء هذه البلدات كانت واضحة: نحن باقون هنا. فالأطفال قبل الكبار عبّروا عن تمسّكهم بأرضهم، مؤكّدين أنهم لن يتركوها مهما اشتدّت الظروف.

وفي وجوه كثيرين من أبناء هذه القرى، بدا وكأن صورة الأب بيار الراعي حاضرة، رمزًا للتعلّق بالأرض الجنوبية والإصرار على البقاء فيها رغم كل المخاطر.

وخلال اللقاء، نقلوا إليه مطالبهم الأساسية، وفي مقدّمها عدم نسيانهم ونقل صوتهم إلى الفاتيكان والمجتمع الدولي، مؤكدين أنهم يريدون البقاء في أرضهم لكنهم يحتاجون إلى ضمانات تحمي وجودهم. كما وقدّموا له هدايا رمزية تعبيرًا عن تقديرهم هذه الزيارة.

الحماية والرسالة

طوال الجولة، رافق موكب السفير البابوي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي صعودًا إلى القرى الجنوبية ونزولًا منها، في إجراءات هدفت إلى تأمين الحماية للموكب.

هذا الحضور الأمني لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا فحسب، بل رسالة واضحة بأن الجيش اللبناني قادر على حماية الأرض وأهلها وضيوفها، وأن وجوده يشكّل ضمانة أساسية لعدم التعرّض للمواطنين أو لأي بعثة دبلوماسية تزور هذه المناطق.

المقاومة الحقيقية

في ظلّ الحديث المتكرر عن “المقاومة”، بدا أن الصورة التي ارتسمت في تلك القرى مختلفة. فالمقاومة التي ظهرت في دير ميماس والقليعة وجديدة مرجعيون وإبل السقي وراشيا الفخار وكوكبا هي المعنى الحقيقي للمقاومة: أهالٍ يرفضون مغادرة بيوتهم.

هنا، تبدو المقاومة فعل بقاء قبل أي شيء آخر: مقاومة الحياة في الأرض، ومقاومة الخوف، ومقاومة فكرة الرحيل. فهؤلاء الناس لا يطلبون حربًا، بل يريدون السلام.

في هذه القرى الحدودية، المقاومة الحقيقية هي مقاومة الخوف والرحيل، مقاومة الحياة في الأرض مهما اشتدّت الظروف.

رسالة السفير

وفي حديث لـ “نداء الوطن”، شدّد السفير البابوي باولو بورجيا على أن اللبنانيين جميعًا بحاجة إلى شجاعة إيجابية، شجاعة تسعى إلى السلام، مؤكدًا أن “الوحدة والعمل معًا هما السبيل لتجاوز الصعوبات التي يمرّ بها لبنان”.

صمودكم رفع رأس لبنان

في السياق، أكد الدكتور فؤاد أبو ناضر العمل بالتنسيق مع الشرعية اللبنانية والمراجع الدولية لتأمين ممرّات إنسانية ودعم صمود المدارس، مع التشديد على الحفاظ على حضور مؤسسات الدولة في الجنوب، لا سيّما الجيش وقوى الأمن الداخلي. وأشار إلى أن القرى الحدودية تضمّ العديد من العناصر الذين يخدمون في الأسلاك العسكرية، معتبرًا أن بقاءهم في بلداتهم يشكّل ركيزة أساسية لمساعدة الأهالي على الصمود.

وحذر أبو ناضر من لغة التخوين التي يسوقها البعض، قائلًا: “لا يحق لأحد تخوين من دافع عن الهوية اللبنانية منذ عام 1967”. وختم متوجّهًا للأهالي بالقول: “أنتم أمثولة في الشجاعة والتشبث بالأرض، وبصمودكم رفعتم رأس لبنان”.

الجنوب الذي يرفض الرحيل

بين الغارات التي كانت تُسمع في الأفق، والصلوات التي ارتفعت في الكنائس، والزغاريد التي استقبلت الزائر، بدا الجنوب في هذه الجولة كما هو دائمًا: أرضًا متمسّكة بالحياة.

قرى صغيرة على الحدود، لكن رسالتها كبيرة: هنا، لا يزال الناس يكتبون معنى البقاء في الأرض… تحت القصف.

أخبار متعلقة :