كان معلوماً أن الهدنة التي جرى الوصول إليها في لبنان هي نتاج لاتفاق على مستوىً دولي إقليمي، وإن كانت إيران قد فتحت الباب له في مفاوضات باكستان، ليستكمل المسار على مستوى دول المنطقة، خصوصاً المملكة العربية السعودية، مصر، قطر، تركيا، إلى جانب المساعي التي بذلتها إسلام أباد. المسؤولون من كل هذه الدول كانوا على اتصال في ما بينهم، ومع المسؤولين اللبنانيين والأميركيين لأجل فرض وقف إطلاق نار في لبنان، إضافة لتثبيت وقف النار في إيران. أصرت طهران على ربط الملف اللبناني بها، بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تتمسكان بفصل المسارين، ليخرج الإيرانيون بشرط فتح مضيق هرمز مقابل وقف النار في لبنان، وهو ما عاد وحصل وأعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. أما الدول الإقليمية، ولا سيما السعودية، مصر، تركيا، وقطر، فقد كانت على تواصل مع اللبنانيين والأميركيين لأجل انتزاع وقف النار بالاستفادة من الظرف الإقليمي، ولعدم جعل لبنان إما ورقة بيد إيران أو ساحة نفوذ جديدة لإسرائيل. على الرغم من الإعلانات الأميركية المتكررة برفض ربط ملف لبنان بملف إيران، إلا أن كلام ترامب عن منع إسرائيل من قصف لبنان الذي جاء بعد إعلان إيران عن فتح مضيق هرمز يؤشر إلى الترابط بين الملفين.
اتصالات سعودية- إيرانية
بعيد الإعلان عن وقف النار في إيران، وصل لبنان إلى مشارف انفجار داخلي، عبّرت عنه التظاهرات التي نفذها مناصرو حزب الله على مدى يومين في وسط بيروت، وقد وصل بهم الأمر إلى حد المطالبة باستقالة الحكومة. أحد جوانب هذه التظاهرات كان يدفع لربط ملف لبنان بملف إيران، ورفض الموقف الرسمي المطالب بالفصل بين المسارين. لم يكن من مصلحة أحد أن يهتز الوضع الداخلي اللبناني ولا الدخول في حالة عدم استقرار. تسارعت الاتصالات الداخلية والخارجية، وقد دخلت السعودية بقوة على خط التواصل مع مختلف القوى السياسية، خصوصاً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري للحفاظ على الوضع الداخلي والستاتيكو السياسي القائم وحماية الحكومة. لم يكن ذلك منفصلاً عن اتصالات سعودية إيرانية بين وزيري خارجية البلدين، إلى جانب اتصالاتهما مع باكستان. عندها حصل الاتصال الرسمي بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، مطالباً إياه بتأكيد وجوب أن يشمل اتفاق وقف النار لبنان.
بري والتنسيق الكامل
بناء على هذه الاتصالات، هدأت الأوضاع نسبياً في الداخل. وجّه السعوديون شكراً لرئيس مجلس النواب نبيه بري على ضبط الوضع، والبيان الصادر عن قيادتي حزب الله وحركة أمل بوقف التحركات الشعبية ضد الحكومة. اتسع نطاق التواصل، مع زيارة أجراها المعاون السياسي لبري علي حسن خليل للسعودية للقاء الأمير يزيد بن فرحان، وجرى البحث في كيفية ضبط الوضع الداخلي اللبناني، وفي كيفية الوصول إلى وقف لإطلاق النار على إيقاع التطورات الإقليمية، مع سعي السعودية لإعادة تجديد التسوية السياسية وحماية الحكم والحكومة والطائف. في هذا الوقت، كان نبيه بري يتعرض لضغوط كبيرة شعبياً، في ظل محاولات لدفعه إلى تصعيد موقفه السياسي. لكن الرجل كان على تنسيق كامل مع الإيرانيين والسعوديين حول كيفية وقف مسار الحرب التي تدمر لبنان وكل مقومات الطائفة الشيعية ومرتكزاتها إلى جانب تهجير أبنائها.
منع الصدام
أساس ما جرى مناقشته في الرياض، هو منع حصول أي احتكاك على الأرض، ومنع تحول الأزمة إلى صدام سني شيعي، إضافة إلى الحفاظ على الحكومة ورئيسها نواف سلام، مع البحث في كيفية التفكير بمرحلة ما بعد الحرب، وإنتاج اتفاق سياسي شامل وواسع هدفه حماية الطائف وكل المكونات. وأهم ما سمعه علي حسن خليل من السعوديين هو رفض كل ما يؤدي إلى الفتنة، وحماية الكيان اللبناني، مع السعي إلى تثبيت وقف إطلاق النار أو الهدنة التي يتم العمل عليها، وتمديدها، وهو ما يفترض أن يستكمل بنشاط سياسي داخلي فعال هدفه إرساء اتفاق شامل بين الأفرقاء، ولو كان ذلك يحتاج إلى حوار جدي يجريه رئيس الجمهورية. العنوان الأساسي لهذا الاتفاق هو تطبيق الطائف كاملاً؛ أي حصر السلاح بيد الدولة والحفاظ على تمثيل كل المكونات، إضافة إلى البحث في كيفية إنجاز الإصلاحات والحصول على مساعدات شاملة تسهم في إعادة الإعمار وتعيد تنشيط الدورة الاقتصادية والتنموية في البلاد.
3 نقاط
في هذا السياق، كان الأميركيون يضغطون على لبنان ورئيس الجمهورية تحديداً لحصول اتصال سياسي بينه وبين بنيامين نتنياهو، وهو ما رفضه عون، وقد حظي بدعم سعودي، مصري، تركي، فرنسي، وقطري لهذه الخطوة الرافضة لذلك. وقد تمسك عون بموقفه، كما يتمسك بعدم اللقاء بنتنياهو وعدم الوصول إلى أي اتفاق سلام مع إسرائيل إلا في سياق المبادرات العربية.
عملياً، هو اتفاق واسع، تسعى دول كثيرة للعمل على إنجاحه وتدعيمه وإطالة أمده، بدأ باتفاق أميركا وإيران على وقف النار برعاية إسلام اباد ومشاركة قوى إقليمية ودولية، واتسع ليشمل لبنان. لكن ذلك لا يعني تجاوز الكثير من العقبات، خصوصاً التي فرضها الأميركيون في مذكرة التفاهم، والتي تتضمن شروطاً قاسياً من غير المعروف بعد كيف يمكن للبنان أن يطبقها. الأساس في ذلك هو ثلاث نقاط:
الأولى، الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.
الثانية، حصر السلاح بيد الدولة.
الثالثة، نوع الاتفاق الذي سيتم الوصول إليه مع اسرائيل.
حصر السلاح
المدخل الفعلي لكل هذه الشروط هو ملف حصر السلاح، وهذا عملياً سيكون مرتبطاً بقرار إيراني واضح، ولا بد له أن يمر من خلال أي اتفاق بين واشنطن وطهران، إذ إن الولايات المتحدة تتمسك بشروطها وبمنع إيران من دعم حلفائها وإنهاء حالة تسلحهم، بينما إيران لا تزال تتمسك بدعم الحلفاء. وقد تستفيد إيران من أي اتفاق يتم الإفراج فيه عن أموالها المجمدة لتعزيز دعم حلفائها والمساهمة في دفع التعويضات وإعادة إعمار القرى والبلدات المهدمة. بينما في المقابل، سيكون هناك شروط أميركية وإسرائيلية ترفض تقديم الأموال لحزب الله لعدم إعادة بناء قدراته العسكرية. وهذا أيضاً قرار عربي يرتكز إلى حصر السلاح بيد الدولة، وهنا يمكن لإيران أن تخوض مفاوضات خاصة بالملف اللبناني هدفها البحث عن ثمن سياسي مقابل السلاح والوضعية العسكرية للحزب، وهو سيكون بحاجة إلى اتفاق شامل على المستويين اللبناني والعربي.
في مهب التجاذبات
أما المسألة المرتبطة بالاتفاق مع إسرائيل، فربما تكون اتفاق ترتيبات أمنية، لا اتفاق سلام، خصوصاً أن لبنان غير جاهز لذلك، ولا يمكنه الخروج من مبادرة السلام العربية التي تتمسك بها السعودية. وهنا سيكون للرياض دور أساسي في ذلك، لمنع إسرائيل من فرض شروطها ورؤيتها على لبنان. سيكون لبنان أمام تجاذبات كثيرة، منها المخاطر الإسرائيلية المتواصلة، ومنها إصرار إيران على التمسك بدعم حلفائها ونفوذها، ومنها الموقف العربي الساعي إلى عدم جعل لبنان يقع كاملاً تحت الكنف الإيراني أو الإسرائيلي. ذلكَ أيضاً سيكون مرتبطاً بمسارات العلاقة الأميركية الإيرانية وأفقها.
المصدر: imlebanon
أخبار متعلقة :