موقع دعم الإخباري

التفاوض يُربك الممانعين

كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:

لم يخرج لبنان فعليًا من دائرة الصراع العربي – الإسرائيلي منذ حوادث 1948. فمع النكبة وتدفّق اللاجئين الفلسطينيين إلى الداخل اللبناني، بدأ الجنوب يتحوّل تدريجيًا إلى منطقة تماس مفتوحة، قبل أن يدخل لبنان لاحقًا في قلب الاشتباك الإقليمي، لا كلاعب أساسي، بل كساحة تتقاطع فوقها الحسابات العربية والدولية.

ارتفع منسوب العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقًا من الجنوب اللبناني والمخيمات الفلسطينية بعد نكسة 1967، فيما كانت الدولة اللبنانية تدخل شيئًا فشيئًا مرحلة فقدان السيطرة على جزء واسع من قرارها الأمني. يومها، إنقسم اللبنانيون بين مؤيد للعمل الفدائي ومعارض له، لكنّ الثابت أنّ الجنوب دخل عمليًا مرحلة الحرب المفتوحة.

ووُقّع في عام 1969 “اتفاق القاهرة” برعاية مصرية، ليشرّع الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان. الاتفاق الذي قُدّم يومها كحلّ لتنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، تحوّل لاحقًا نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. فمنذ تلك اللحظة، بدأ ميزان السلطة داخل الدولة يهتزّ تدريجيًا، فيما كانت إسرائيل ترفع وتيرة ضرباتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.

ومع نهاية السبعينات، دخل لبنان مرحلة الاجتياحات الإسرائيلية المباشرة. ففي عام 1978، شنّت إسرائيل عملية “الليطاني” ووصلت إلى النهر، قبل أن تنسحب جزئيًا مع إنشاء ونشر قوات “اليونيفيل”. أما التحوّل الأكبر فجاء عام 1982، عندما وصلت إسرائيل إلى بيروت تحت عنوان القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. يومها، سقطت العاصمة تحت الحصار، وغادر رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات والمقاتلون الفلسطينيون لبنان، لكنّ نتائج الحرب ذهبت أبعد بكثير من إخراج الفلسطينيين. فبعد الإجتياح، دخل النفوذ السوري بقوة إلى الداخل اللبناني، فيما بدأت إيران تأسيس مشروعها العسكري والسياسي عبر “حزب الله”، الذي تحوّل لاحقًا إلى اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية.

واستمرّ الوجود الإسرائيلي في الجنوب حتى عام 2000، حين نفّذ رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك انسحابًا أحاديًا. يومها، صوّر “حزب الله” نفسه أنّه حرّر الجنوب. لكنّ الانسحاب لم يؤسّس لاستقرار دائم، بل نقل الصراع إلى مرحلة جديدة عنوانها تمدّد إيران واستحواذها على ورقة الجنوب.

وفي تموز 2006، انفجرت الحرب الكبرى بعد عملية أسر جنديَين إسرائيليَّين. حرب الـ33 يومًا انتهت بدمار هائل وبالقرار 1701، الذي عزّز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، لكنه لم ينجح في إنهاء أسباب النزاع، بل أنتج مرحلة طويلة من الهدوء الحذر الذي كان قابلًا للانفجار في أي لحظة.

أما بعد 7 تشرين الأول 2023، فدخل لبنان مرحلة مختلفة بالكامل. قرار “حزب الله” فتح جبهة الجنوب تحت عنوان “إسناد” غزة، أسقط عمليًا قواعد الاشتباك التي حكمت ما بعد 2006. ومع توسّع الضربات الإسرائيلية وارتفاع مستوى الإغتيالات، بدا واضحًا أنّ إسرائيل لا تريد إحتواء “حزب الله” فقط، بل إعادة صياغة الواقع الأمني على حدودها الشمالية بالكامل.

وفي موازاة التصعيد العسكري، وبعد دخول “حزب الله” حرب إسناد إيران، وما جرّه من ويلات على البلد، تكشف المعطيات الدبلوماسية أنّ المنطقة دخلت فعليًا مرحلة التسويات الكبرى. وتؤكد مصادر رسمية لبنانية، أنّ لبنان ذاهب حتى النهاية في خيار التفاوض، وأنّ قرار السير بالتسوية الاستراتيجية اتُّخذ، ولن يتراجع مهما بلغت الضغوط أو ارتفعت نبرة التهديد من “حزب الله” وإيران. وبحسب المصادر، فإنّ الأميركيين أبلغوا المعنيين في بيروت أنّ المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبل الحرب الأخيرة، وأنّ المجتمع الدولي يريد تثبيت واقع جديد، يقوم على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وإعادة ضبط الحدود الجنوبية بشكل كامل.

وتؤكد المصادر أنّ النقاشات الجارية لم تعد محصورة بتطبيق القرار 1701 أو اتفاقية الهدنة، بل تتجاوز ذلك نحو مقاربة أوسع قد تفتح الباب أمام سلام عبر المفاوضات المباشرة. والثابت حتى الآن أنّ واشنطن تمارس ضغطًا متزايدًا لدفع لبنان نحو التسوية، فيما تبدو العواصم العربية والخليجية أكثر استعدادًا لدعم أي مسار يعيد تثبيت الاستقرار ويمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

وفي قلب هذا المشهد، يقف الرئيس جوزاف عون أمام أخطر اختبار منذ وصوله إلى بعبدا. فالرجل الآتي من المؤسسة العسكرية، يدرك أنّ لحظة إعادة رسم التوازنات في المنطقة قد بدأت، وأنّ لبنان يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: الدخول في تسوية كبرى تعيد تثبيت الدولة، أو البقاء ساحة مفتوحة لحروب الآخرين كما كان منذ عام 1948.

المصدر: imlebanon

أخبار متعلقة :