كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
يعود مشروع قانون العفو العام إلى واجهة النقاش السياسي والنيابي في لبنان، في توقيت تختلط فيه الاعتبارات الدستورية والسياسية والأمنية والاجتماعية، وفي ملف يُفترض أساسًا أن يكون مدخلًا لمعالجة جراح وطنية متراكمة، لا مناسبة جديدة لتعميق الانقسامات أو إنتاج مظلوميات إضافية. فالعفو العام في التجارب السياسية والدستورية لا يُنظر إليه بوصفه قانونًا عاديًا، بل باعتباره قرارًا سياديًا استثنائيًا يرتبط عادة بمحطات انتقالية كبرى، سواء بعد الحروب أو النزاعات الداخلية، أو المراحل التي تستوجب إعادة تكوين الحد الأدنى من الثقة بين الدولة ومجتمعها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة لبنانية لهذا المشروع، خارج إطار المصالحة الوطنية الشاملة، تبدو محفوفة بالمخاطر، لأن فلسفة العفو العام تقوم أساسًا على مبدأ طي صفحات مؤلمة من تاريخ الدول، وفتح صفحة جديدة تعيد دمج فئات واسعة داخل الحياة العامة والمؤسسات الشرعية. أما تحويله إلى مادة تجاذب انتخابي أو أداة لاستقطاب الأصوات في بيئات محددة، فإنه يفرغه من مضمونه الوطني ويحوله إلى تسوية ظرفية تفتقر إلى العدالة المتوازنة وإلى الرؤية الشاملة التي يُفترض أن تحكم مثل هذه القوانين المهمة.
وفي هذا السياق، تتصاعد الخشية من سعي قوى حزبية وسياسية إلى تفصيل مشروع العفو وفق حساباتها الخاصة المرتبطة بالانتخابات النيابية المقبلة، سواء عبر توسيع فئات مشمولة أو استثناء أخرى، أو عبر استخدام الملف لاستنهاض العصبيات المناطقية والطائفية. وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يعيد إنتاج منطق الانتقائية الذي طالما شكّل أحد أبرز أسباب اهتزاز الثقة بين اللبنانيين ومؤسساتهم، خصوصًا أن أي شعور بالتمييز في قضايا ترتبط بالحريات والأحكام والملاحقات، يمكن أن يتحول سريعًا إلى عنصر تفجير سياسي واجتماعي.
وفي البعد الدستوري، يبرز النقاش حول الدور الذي يحق لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن يؤديه في هذا الملف، ولاسيما بعد الانتقادات التي وُجهت إليه على أثر استقباله نوابًا وممثلين عن كتل نيابية بحثوا معه في مشروع قانون العفو العام. غير أن القراءة الدستورية الهادئة تشير إلى أن موقع رئيس الجمهورية يمنحه الدستور صلاحيات واضحة تتيح له متابعة القوانين ذات الطابع الوطني الحساس، والتدخل ضمن الأطر الدستورية لمنع أي انحراف عن الغايات الأساسية للتشريع.
فالمواد 49 و50 و57 من الدستور اللبناني، تمنح رئيس الجمهورية موقع الحارس على انتظام عمل المؤسسات والساهر على احترام الدستور، إضافة إلى حقه في طلب إعادة النظر بالقوانين التي يقرها المجلس النيابي. وعليه، فإن تواصله مع الكتل النيابية، أو متابعته لمسار مشروع العفو، لا يشكل تعديًا على صلاحيات البرلمان، ولا انتقاصًا من مبدأ أن المجلس النيابي سيد نفسه، بل يندرج ضمن مسؤولياته الوطنية والدستورية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقانون يمكن أن يترك تداعيات عميقة على السلم الأهلي ووحدة المجتمع.
وتتجاوز خطورة الملف البعد السياسي الآني، إلى أبعاد اجتماعية ووطنية تراكمت على مدى عقود نتيجة تقصير السلطات المتعاقبة في معالجة ملفات شائكة، بقيت معلقة بين النصوص القانونية والتنفيذ الفعلي. ولذلك، فإن أي قانون عفو لا ينطلق من مقاربة وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة لا نتائجها فقط، قد يتحول إلى عامل إضافي لإنتاج الاحتقان بدلًا من تبديده.
كما أن التجربة اللبنانية منذ اتفاق الطائف، تظهر أن قوانين العفو عندما تُصاغ على قاعدة التسويات الجزئية أو الحسابات السياسية الضيقة، غالبًا ما تترك آثارًا عكسية على مفهوم العدالة وعلى صورة الدولة نفسها. فالعفو لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء دولة المؤسسات، ولا عن إصلاح القضاء، ولا عن وضع سياسات تنموية وأمنية متوازنة، بل يُفترض أن يشكل جزءًا من رؤية أوسع لإعادة إنتاج العقد الوطني على أسس أكثر عدالة واستقرارًا.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة مختلفة لمشروع العفو العام، تقوم على التمييز بين منطق الدولة ومنطق الاستثمار السياسي، وعلى إدراك أن أي خلل في التوازن الوطني داخل هذا الملف، قد يفتح الباب أمام انقسامات جديدة، في بلد يعاني أصلًا من فائض أزمات وانعدام ثقة بين مكوناته. فالمطلوب ليس إصدار قانون جديد، بل إنتاج تسوية وطنية عادلة، تمنع تراكم المظلومية وتؤسس لمرحلة يكون فيها العفو مدخلًا لترميم الدولة لا لإضعافها، ولإغلاق الملفات المؤلمة، لا لإعادة فتحها بأشكال أكثر خطورة في المستقبل.
المصدر: imlebanon
أخبار متعلقة :