كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
شكّلت الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركية، محطة مفصلية في المسار التفاوضي اللبناني، بعدما نجح الوفد اللبناني، برئاسة السفير السابق سيمون كرم، في فرض أولوية وقف شامل ونهائي لإطلاق النار قبل الانتقال إلى أي بند آخر، تنفيذًا للتوجيهات المباشرة لرئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي اعتبر أن وقف آلة القتل والتدمير الإسرائيلية يمثّل المدخل الإلزامي لأي بحث سياسي أو أمني لاحق. وقد استند الموقف اللبناني إلى قناعة راسخة بأن أي نقاش حول ترتيبات مستقبلية أو آليات تنفيذية يفقد معناه طالما تستمر العمليات العسكرية وما تخلّفه من خسائر بشرية ومادية. كما استند إلى الموقف الذي سبق أن عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري عندما أعلن استعداده للالتزام وإلزام “حزب الله” في حال التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار.
ولم يكن الوصول إلى هذا الإنجاز أمرًا سهلا، بل جاء نتيجة معركة دبلوماسية شاقة خاضها الوفد اللبناني خلال الجولات التفاوضية الأخيرة. إذ إن السفير كرم استخدم مجموعة من أدوات الضغط التفاوضي، كان أبرزها تعليق المباحثات وعدم السير بأي نقاش مواز قبل تثبيت مبدأ وقف النار الشامل. وقد أدى هذا التشدد إلى دفع الوسيط الأميركي نحو تدخل عاجل لإعادة تحريك المسار التفاوضي، ما أفضى في نهاية المطاف إلى تبني المطلب اللبناني وإدراجه قاعدة أساسية في المخرجات النهائية للجولة الرابعة.
غير أن التجربة اللبنانية الطويلة مع ملفات النزاع تجعل السؤال الأساسي يتجاوز مسألة انتزاع الموقف الدولي إلى مسألة القدرة على تنفيذه. فالمشكلة لم تكن يومًا في النصوص أو التعهدات، بل في الجهات القادرة على الالتزام والإلزام. ورغم أن بري لم يعلن رفضه لما تم التوصل إليه، فإنه يدرك حجم التعقيدات المرتبطة بقرار “حزب الله”، الذي لم يعد يُنظر إليه على أنه قرار لبناني صرف، بل بات مرتبطًا بحسابات إقليمية أوسع تتجاوز الساحة اللبنانية. وفي هذا السياق، تبدو طهران حاضرة بقوة في رسم حدود الحركة السياسية والعسكرية لـ “الحزب”، ما يجعل أي تفاهم لبناني عرضة للتأثر بالتطورات الإقليمية وبالمفاوضات الدائرة في أكثر من ساحة.
ويضاف إلى ذلك أن أي إنجاز تحققه الدولة اللبنانية يواجه تلقائيًا محاولات لتقزيمه أو مصادرته من القوى المنضوية ضمن محور الممانعة، حيث يجري السعي إلى تقديم أي تقدم دبلوماسي أو أمني على أنه نتيجة مباشرة للنفوذ الإيراني، لا ثمرة لجهد الدولة ومؤسساتها. وهو سلوك يعكس استمرار الصراع بين منطق الدولة ومنطق المحاور، وبين مشروع بناء المؤسسات ومشروع ربط لبنان بأجندات إقليمية تتجاوز مصالحه الوطنية المباشرة.
وخلال الأسابيع الماضية، استنفر لبنان الرسمي شبكة واسعة من الاتصالات العربية والدولية، مستفيدًا من دعم الأشقاء والأصدقاء الذين مارسوا ضغوطًا سياسية ودبلوماسية مكثفة للوصول إلى هذه النتيجة. وقد جرى التعامل مع الجولة الرابعة باعتبارها فرصة أخيرة لمنع الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية وتوسع دائرة الاستهدافات.
أما على المستوى الدولي، فقد ظهر الجانب المعلن من المشهد من خلال الموقف الأميركي الحازم الذي تجسّد في الاتصالات المباشرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث فرضت واشنطن معادلة واضحة تقوم على عدم استهداف بيروت والضاحية مقابل عدم استهداف شمال إسرائيل، قبل أن تتطور المقاربة الأميركية لاحقًا نحو تبني مطلب وقف النار الشامل خلال الجولة الرابعة. غير أن ما هو أبعد من ذلك يتمثل في رغبة أميركية جدية في إقفال ملفات المواجهة المفتوحة في المنطقة وتبريد مختلف الجبهات المشتعلة خلال المرحلة المقبلة، بما ينسجم مع أولويات داخلية ودولية أوسع.
ووفق القراءة اللبنانية لنتائج الجولة الرابعة، فإن ثلاثة مكاسب أساسية تحققت. أولها تثبيت مبدأ الوقف الشامل لإطلاق النار باعتباره قاعدة ناظمة للمرحلة المقبلة. وثانيها الحصول على إقرار إسرائيلي نهائي باحترام سيادة لبنان على كامل أراضيه ضمن الحدود الدولية المعترف بها. أما المكسب الثالث فيتمثل في تعزيز الدعم المخصص للجيش اللبناني بما يسمح له ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ولا سيما في الجنوب وصولا إلى الحدود الدولية.
ومع اقتراب موعد الجولة المقبلة المنتظرة خلال الثلث الأخير من الشهر الحالي، يبرز نقاش جديد حول طبيعتها وآليات إدارتها. وقد طلب لبنان أن تكون المفاوضات ذات طابع سياسي وأمني مشترك، بما يتيح معالجة الملفات العالقة بصورة متكاملة، ويمنع الفصل بين القرارات السياسية ومتطلبات التنفيذ الميداني. ويبقى حسم هذا الطلب بيد الوسيط الأميركي الذي سيحدد شكل الجولة المقبلة وجدول أعمالها، فيما تتجه الأنظار إلى ما إذا كان الإنجاز الذي تحقق على الورق سيتحول فعلا إلى واقع ميداني دائم، أم أنه سيبقى رهينة التوازنات الإقليمية والصراعات التي لطالما جعلت لبنان ساحة لتقاطع المصالح والنفوذ.
أخبار متعلقة :