كتب خضر نجدي في “نداء الوطن”:
تنتج الحروب، في الغالب، منظومة من القواعد غير المكتوبة التي تحكم سلوك المجتمعات خلال فترات النزاع. ومن أبرز هذه القواعد الاعتقاد بأن زمن الحرب ليس زمن النقد، وأن الأولوية ينبغي أن تُمنح لتماسك الجماعة وتضامنها في مواجهة الأخطار، فيما تؤجل عملية المراجعة والمحاسبة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية. وقد اكتسب هذا التصور شرعية واسعة في التجارب التاريخية التي تعرضت خلالها الدول لاعتداءات خارجية، وكانت مؤسساتها الدستورية والسياسية والعسكرية مجتمعة هي التي اتخذت قرار المواجهة وتحملت مسؤولياتها ونتائجها.
غير أن هذا التقليد يصبح موضع تساؤل عندما لا تكون الحرب نتيجة قرار وطني جامع، أو عندما تتوزع كلفتها على المجتمع بأكمله فيما ينحصر قرار خوضها ضمن دائرة سياسية أو تنظيمية محددة. ففي هذه الحالة لا يعود النقاش مقتصراً على الأداء العسكري أو النتائج الميدانية، بل يمتد إلى مساءلة العلاقة بين القرار والكلفة، وبين الجهة التي تتخذ القرار والجهة التي تتحمل نتائجه.
ولا بد هنا من ضرورة التمييز بين مفهومي المقاومة والمواجهة العسكرية، وهما مفهومان كثيراً ما يجري استخدامهما بالتبادل رغم اختلافهما من حيث الطبيعة والوظيفة والنتائج. فالمقاومة، بوصفها مفهوماً سياسياً وتاريخياً، ترتبط عادة بأشكال متعددة من النضال تهدف إلى استنزاف الخصم أو الحد من قدرته على فرض إرادته، مستفيدة من عناصر القوة المتاحة لدى الطرف الأضعف ، ويفترض في المقاومة المسلحة ان يكون عنصر القوة هنا، وهي نقطة ضعف العدو ، في السرية التامة ، وتقنين التحركات للعناصر، حيث نفتقدها في حالتنا الراهنة .. أما المواجهة العسكرية المفتوحة فتخضع لمنطق مختلف، إذ تقوم على صدام مباشر بين قوتين واضحتين، لكل منهما قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، الأمر الذي يجعل موازين القوى عاملاً حاسماً في تحديد مسار الحرب ومآلاتها.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدخول في سجال حول الدوافع الإقليمية أو الدولية التي أحاطت بالحرب، ولا بمحاولة إعادة إنتاج الانقسامات التي رافقت اندلاعها واستمرارها. فبعد سنوات من القتال وما راكمته من خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو سؤال المستقبل: إلى أين يمكن أن يقود استمرار هذا المسار؟ وما هي حدود القدرة على تحمل كلفته؟ وما هي النتائج المتوقعة إذا استمرت الوقائع الموضوعية نفسها التي حكمت السنوات الماضية؟
لقد أنتجت الحرب واقعاً جديداً يصعب تجاهله أو القفز فوقه. فالخسائر لم تعد محصورة بالمجال العسكري أو الأمني، بل امتدت إلى مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وتكفي مراجعة مواقف الهيئات الاقتصادية والنقابات المهنية والمؤسسات العاملة في قطاعات السياحة والخدمات خصوصا ، والإنتاج الزراعي والصناعي بشكل عام ، لتبيان حجم الضرر الذي أصاب البنية الاقتصادية اللبنانية. فالحديث عن أسوأ المواسم السياحية منذ 40 عام ، ليس مجرد توصيف ظرفي، بل مؤشر على عمق الأزمة التي يعيشها مجتمع يعاني أصلاً من انهيارات مالية ومؤسساتية متراكمة.
من هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما هي آفاق استمرار المواجهة في ظل هذا الاختلال الواضح في موازين القوى؟ وهل يؤدي تجاهل هذا الاختلال إلى تغييره فعلاً، أم أنه يزيد من حجم الخسائر والآلام؟
إن الذين يقاتلون يدركون، أكثر من غيرهم، طبيعة التحديات التي يواجهونها وحدود قدراتهم وإمكاناتهم. وهم يعرفون كذلك حجم الأضرار التي تلحق ببيئتهم الاجتماعية والبشرية والاقتصادية. ولذلك فإن المجاهرة بالحقائق لا ينبغي أن تُفهم على أنها طعن بالمقاتلين أو تنكر لتضحياتهم، بل باعتبارها محاولة لمنع تحول المأساة إلى قدر دائم.
فإنكار الوقائع أو التقليل من آثارها، والسعي إلى استعادة واقع سبق الحرب وكأن شيئاً لم يتغير، رغم التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة ولبنان خلال السنوات الأخيرة، لا يشكل موقفاً مقاوماً بقدر ما يشكل نوعاً من المكابرة السياسية. وعندما تتحول المكابرة إلى سياسة عامة، تصبح أقرب إلى انتحار جماعي لا يقتصر خطره على فئة أو حزب، بل يهدد المجتمع اللبناني بأكمله.
فالانتحار الجماعي، بمعناه السياسي والاجتماعي، لا يحدث فجأة. إنه حصيلة مسار طويل من إنكار الوقائع، وتأجيل النقاشات الضرورية، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى تهمة أخلاقية أو سياسية. وما يجعل المجتمعات قادرة على تجنب الكوارث ليس قدرتها على تجاهل الأخطاء، بل قدرتها على الاعتراف بها في الوقت المناسب
ولعل المشكلة الأساسية التي تواجه المجتمعات أثناء الحروب لا تكمن في الجهل بالحقائق بقدر ما تكمن في صعوبة الاعتراف بها. فالحروب تخلق، بطبيعتها، حاجة نفسية وجماعية إلى إنتاج سرديات تمنح الأفراد القدرة على تحمل الخسائر والاستمرار في مواجهة الألم. غير أن هذه السرديات، على أهميتها المعنوية، قد تتحول أحياناً إلى عائق يحول دون رؤية التحولات العميقة التي تفرضها الوقائع على الأرض.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الوظيفة التعبوية للخطاب وبين الوظيفة التحليلية للعقل السياسي. فالخطاب التعبوي يهدف إلى تعزيز الصمود ورفع المعنويات، أما التحليل السياسي فمهمته فهم الوقائع وتقدير النتائج وتحديد الخيارات الممكنة. وعندما تختلط الوظيفتان تصبح المجتمعات أكثر عرضة لاتخاذ قرارات تستند إلى الرغبات بدل الوقائع، وإلى الأماني بدل الحسابات.
لهذا السبب يبدو ضروريا إعادة النظر في الفكرة الشائعة القائلة إن النقد يجب أن يؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب. فثمة حالات تاريخية عديدة أثبتت أن المراجعة المتأخرة تتحول إلى فعل عديم الجدوى، لأن الكوارث الكبرى تكون قد وقعت بالفعل. والحقيقة أن المحاسبة ليست نقيضاً للتضامن، بل هي أحد شروطه الأساسية. إذ لا يمكن بناء تضامن وطني مستدام على تجاهل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالخيارات والنتائج والمسؤوليات.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ضوء التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فالبيئة السياسية والاستراتيجية التي نشأت في ظلها خيارات الماضي لم تعد هي نفسها اليوم، كما أن التوازنات الإقليمية والدولية تشهد تغيرات متسارعة تفرض مراجعة الكثير من المسلمات التي حكمت التفكير السياسي خلال العقود السابقة. ومن هنا تبدو محاولات استعادة الواقع السابق للحرب، وكأن شيئاً لم يتغير، أقرب إلى الرغبة منها إلى الإمكانية الفعلية.
وفي مثل هذه اللحظات الصعبة، تكتسب العودة إلى فكرة الدولة أهمية استثنائية. وليس المقصود هنا السلطة القائمة أو الأشخاص الذين يشغلون مواقعها، بل الدولة باعتبارها إطاراً مؤسسياً وقانونياً جامعاً للمواطنين جميعاً. ذلك أن أحد أبرز أوجه الأزمة اللبنانية يتمثل في الخلط المستمر بين الدولة والسلطة، وبين المؤسسات الدائمة والقوى السياسية التي تتولى إدارتها بصورة مؤقتة. ونتيجة هذا الخلط تتراجع فكرة المصلحة العامة لمصلحة الولاءات والانتماءات الجزئية، وتفقد الدولة قدرتها على الظهور باعتبارها المرجعية المشتركة للجميع.
لبنان اليوم، رغم حجم المأساة التي يعيشها، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة هذا المعنى للدولة ،فثمة مؤشرات ولو متواضعة، إلى محاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة دورها من خلال خطوات اتخذتها السلطة التنفيذية ومؤسساتها الدستوريةمؤخرا ، وقد يختلف اللبنانيون في تقييم هذه الخطوات أو حجم فعاليتها، لكن مجرد إعادة الاعتبار لمنطق الدولة يشكل مدخلاً ضرورياً لأي مشروع إنقاذ وطني.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على إنهاء الحرب أو الحد من خسائرها، بل يتمثل أيضاً في إعادة بناء المجال الوطني المشترك الذي يسمح للبنانيين بمناقشة مستقبلهم خارج منطق الغلبة والانقسام الدائم. فالدولة ليست نقيض المقاومة كما يصورها البعض، وليست أداة للهيمنة كما يراها آخرون، بل هي الإطار الوحيد القادر على تحويل التضحيات الفردية والجماعية إلى مشروع وطني جامع.
إن الدعوة إلى وقف الحرب، أو إلى مراجعة خياراتها ونتائجها، لا تعني الوقوف ضد فئة أو مع فئة أخرى، بل تعني الانحياز إلى حق اللبنانيين جميعاً في الحياة والأمن والاستقرار. كما أن التضامن الحقيقي لا يكون بالشعارات والخطابات، بل بالسعي الجدي إلى منع المزيد من الخسائر، وإلى بناء دولة قادرة على حماية أبنائها جميعاً.
لذا من الواجب الوطني، وفي لحظات الأزمات الكبرى، يصبح التمسك بالحقيقة مسؤولية أخلاقية وسياسية في آن معاً. والحقيقة هنا لا تعني امتلاك أجوبة نهائية، بل امتلاك الشجاعة اللازمة لطرح الأسئلة الضرورية. لذلك قد يكون النقد الصادق، في بعض اللحظات التاريخية، شكلاً أعمق من أشكال التضامن، لأن غايته ليست تسجيل المواقف أو توزيع الاتهامات، بل منع الكارثة من التحول إلى قدر دائم، وإبقاء الأمل قائماً بإمكانية الخروج منها نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدالة لجميع اللبنانيين.
وفي زمن النكبات الكبرى، لا يكون الصمت فضيلة دائماً، ولا يصبح النقد خيانة بالضرورة. وقد يكون قول الحقيقة، مهما كانت قاسية، هو الشكل الأصدق لللانتماء الى الوطن ، قبل أن يصبح الوقت متأخراً على الجميع.
أخبار متعلقة :