موقع دعم الإخباري

عودةٌ ناقصة إلى قرى مدمّرة

كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:

استيقظ الجنوبيون على خبرٍ انتظروه طويلا. خبرٌ حمل معه شيئًا من الفرح بعد أشهر من الحرب وما تخلّلها من غارات جوية وقصف مدفعي ونزوح قسري، مع الإعلان عن وقف إطلاق النار وفق الاتفاق الأميركي – الإيراني.

لكن فرحة الناس لم تكتمل؛ فقد خرجت من بين معاناة مراكز النزوح وركام البيوت التي دمّرتها الحرب الضروس تساؤلات كثيرة: هل ستلتزم إسرائيل بالاتفاق وبنوده؟ هل ستنسحب من الأراضي التي احتلتها؟ وهل سيستطيع النازحون أن يعودوا إلى بيوتهم التي حملوها معهم في الذاكرة والحنين؟

العودة لم تكن متشابهة للجميع. في منطقة الحوش في مدينة صور، وقف الرجل الخمسيني حسن حلاوي “أبو علي”، أمام كومة من الحجارة والإسمنت، يحدّق طويلا في المكان الذي كان، حتى وقت قريب، منزله. حاول أن يتعرّف إلى غرفة الجلوس أو إلى نافذة كانت تطلّ على شجرة ليمون زرعها قبل سنوات، لم يجد سوى ركام.

جلس “أبو علي” على حجر كبير، وانهمرت دموعه بصمت. قال بصوت متهدّج: “خرجت من هنا وأنا أعد أولادي بأننا سنعود إلى البيت. عدنا اليوم، لكن البيت لم ينتظرنا”. وبعد ساعات قليلة، عاد إلى مركز النزوح في صيدا، الذي أقام فيه طوال أشهر الحرب، يحمل حقيبة صغيرة ووجعًا أكبر من أن تحمله الكلمات.

وفي بلدة البابلية في قضاء صيدا، كان المشهد مختلفًا. فبمجرد أن فتح أحد النازحين، علي عاصي، باب منزله المتضرر جزئيًا، قرر البقاء. لم تثنهِ الجدران المتصدعة ولا انقطاع الكهرباء والمياه. أخذ ينفض الغبار عن الأثاث، ويرتّب ما بعثرته الحرب، ثم قال: “هنا ولدت، وهنا كبر أولادي. قد أعيش بين الحجارة أيامًا أو أشهرًا، لكنني لن أترك بيتي مرة أخرى”.

أما في أحد مراكز النزوح، فكان النازح “أبو حسين” فقيه من كفرتبنيت يجلس أمام شاشة هاتفه يتابع صور العائدين. لم يحزم حقائبه بعد، ولم يتخذ قرار العودة. منزله لا يزال في البلدة التي تشهد خروقات متكررة، والخوف ما زال يسبق الخطوات. قال: “قلبي هناك، لكنني أخشى أن أعود قبل أن يهدأ كل شيء. سأنتظر أيامًا أخرى”.

وبين من عاد ليستأنف الحياة فوق الركام، ومن عاد ليكتشف أن منزله صار ذكرى، ومن لا يزال يراقب الطريق من بعيد، لم تكن العودة مجرد انتقال من مركز نزوح إلى منزل، بل عودة الروح إلى أمكنة بقيت تنادي أصحابها في كل ليلة غياب.

أخبار متعلقة :