كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
ليس تفصيلا أن يعود الوفد اللبناني من روما وهو يتحدث عن استكمال مسار التفاوض والبدء بتطبيق المناطق النموذجية، فيما يعود وفد “حزب الله” من طهران بعد مشاركته في تشييع المرشد علي الخامنئي بلغة مختلفة تمامًا. ففي اللحظة التي كانت فيها الدولة تحاول تثبيت نافذة سياسية تمنع الانزلاق إلى حرب جديدة، كانت “الممانعة” تستعد لمرحلة عنوانها التصعيد، وكأن لبنان يعيش على إيقاع مشروعين لا يجتمعان.
شكّلت روما محطةً تاريخيةً وسياسيةً مهمّةً. ما خرج منها يؤكد أن واشنطن لا تزال ترى فرصة لمنع انفجار الجبهة اللبنانية، وأن البحث مستمر في آليات ميدانية، من مناطق نموذجية ولجان تقنية، هدفها تخفيض التوتر وخلق وقائع تساعد على تثبيت الاستقرار. قد تبدو هذه الخطوات متواضعة، لكنها تعكس إصرارًا على إعطاء الدولة اللبنانية مساحة للتحرك بعيدًا من منطق السلاح.
في المقابل، لم يحمل الوفد العائد من إيران أي مؤشر إلى التهدئة. على العكس، طغى على اللقاءات التي عقدها مسؤولو المحور على هامش التشييع حديث مختلف بالكامل، عنوانه أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، وأن احتمالات المواجهة العسكرية ارتفعت بصورة كبيرة.
وتكشف معلومات “نداء الوطن” أن قيادة المحور أبلغت حلفاءها خلال الاجتماعات الأخيرة أن مرحلة الانتظار شارفت على نهايتها، وأن الاستعداد لسيناريوات عسكرية بات أولوية. وبحسب المعلومات، فإن الرسالة التي وصلت إلى “حزب الله” كانت واضحة وهي الاستعداد الكامل لأي تطور، لأن المواجهة المقبلة، إذا اندلعت، لن تشبه سابقاتها، وقد تكون أشد اتساعًا وأقسى على مختلف الجبهات.
وتشير المعلومات الى أن الأجواء التي نقلها المشاركون في الاجتماعات داخل طهران تؤكد أن القيادة الإيرانية تنظر إلى “حزب الله” باعتباره الورقة الإقليمية الأكثر أهمية بعد الضربات التي تعرض لها المحور خلال الأشهر الماضية. ومن هذا المنطلق، لا تبدو طهران مستعدة للتخلي عن هذه الورقة، بل تعتبر أن استخدامها قد يصبح جزءًا من أي مواجهة إذا وصلت الضغوط إلى مستويات غير مسبوقة.
وتؤكد المعطيات أن النقاش لم تعد تدور حول إمكان اندلاع مواجهة محدودة، بل حول احتمال توسع الصراع إلى حرب إقليمية واسعة، يكون فيها لبنان إحدى الساحات الأساسية. وفي هذا السياق، تتحدث المعلومات عن بدء إجراءات واستعدادات تنظيمية وميدانية داخل المحور، تحسبًا لأي قرار قد يُتخذ في المرحلة المقبلة، تحت عنوان دعم إيران إذا اتسعت رقعة المواجهة. وهنا تتجلى المفارقة اللبنانية بكل وضوح. فبينما تفاوض الدولة على تثبيت الاستقرار وإبعاد شبح الحرب عن الجنوب، يتحرك مشروع آخر على قاعدة أن لبنان لا يزال جزءًا من حسابات المحور الإقليمية. وبينما تبحث المؤسسات الشرعية عن حماية ما تبقى من الاقتصاد والدولة، تُطرح مجددًا معادلة ربط مصير لبنان بمصير المواجهة الإيرانية.
المشكلة لا تكمن فقط في التناقض بين المسارين، بل في أن نجاح أحدهما يعني سقوط الآخر. فإذا نجح مسار روما، تتعزز الدولة ويتراجع منطق الساحات المفتوحة. أما إذا فُرض خيار الحرب، فلن يبقى مكان للمفاوضات ولا للمناطق النموذجية ولا للجان الحوار، لأن صوت المدافع سيطغى على أي جهد سياسي.
يقف لبنان مرة جديدة أمام مفترق حاسم. مشروع يسعى إلى تثبيت الدولة عبر التفاوض، ومشروع آخر يربط البلاد بقرار يتخذ خارج حدودها. وبين حمامة سلام عادت من روما، وبشائر حرب حملتها طهران، يبقى السؤال هل ينجح لبنان هذه المرة في حماية نفسه، أم يعود مرة جديدة ساحة لتصفية حسابات الآخرين؟
أخبار متعلقة :