كتب داود رمال في نداء الوطن:
تتجه المنطقة، بعد الانتخابات النصفية الأميركية، نحو مرحلة سياسية مختلفة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك والتفاوض في أكثر من ساحة، بصرف النظر عن النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة. فالمسألة، وفق قراءة سياسية لمسار التطورات الإقليمية، لم تعد تتصل بإدارة الأزمات كل على حدة، أو بالتوصل إلى تفاهمات جزئية سرعان ما تنهار أمام أول اختبار، بل باتت أقرب إلى البحث عن تسوية شاملة تضع الملفات المتشابكة على طاولة واحدة، وتفتح الباب أمام معالجة مترابطة لمختلف بؤر التوتر. وفي هذا السياق، لن يكون المطلوب أن يتفاوض طرف باسم طرف آخر، أو أن يقرر مصير دولة بالنيابة عنها، بل أن تجلس الأطراف المعنية إلى طاولة الحل، بحيث يفاوض كل بلد عن نفسه، ويتحمل مسؤولية خياراته ومصالحه الوطنية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ضوء ما نقلته أوساط دبلوماسية واسعة الاطلاع عن الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. وبحسب هذه الأوساط، فإن مضمون كلام عراقجي جاء مغايرًا بصورة لافتة لنبرة التصعيد التي يعتمدها “حزب الله” في خطابه الداخلي، إذ شدد على أن الحروب لا تحقق النتائج المرجوة، ولا تقود إلا إلى الدمار والخراب، وأن الحل يكمن في التفاوض، مشيرًا إلى أن طهران أبلغت الوسطاء تمسكها بمذكرة التفاهم التي أُبرمت في إسلام آباد.
وتكشف هذه الرسالة، إذا صحت القراءة الدبلوماسية لمضمونها، عن تباين بين منطق التسوية الذي تتحدث به طهران وحسابات التصعيد التي تظهر في الخطاب السياسي والعسكري لـ “حزب الله”. كما تحمل دلالة تتجاوز حدود الموقف الإيراني المباشر، إذ تنطوي على إقرار بأولوية المسار التفاوضي، وبأن الحرب ليست قدرًا محتومًا ولا أداة مضمونة لانتزاع المكاسب. ومن هنا، يمكن فهم الموقف الإيراني باعتباره تقاطعًا، ولو في حدود معينة، مع خيار الدولة اللبنانية التفاوض بنفسها وعن نفسها، انطلاقًا من مؤسساتها الدستورية ومصالحها الوطنية، بعيدًا من منطق الوكالة أو ربط القرار اللبناني بحسابات إقليمية أوسع.
ولا يبدو أن أفق التسوية المحتملة سيتوقف عند لبنان أو عند الملفات المرتبطة مباشرة بالمواجهة مع إسرائيل. فالمعطيات السياسية تشير إلى أن أي تفاهم إقليمي واسع لن يكون مكتملا إذا استثنى ساحات أخرى، من اليمن إلى البحر الأحمر، بما في ذلك ملف الحوثيين الذي لا يُعدّ، وفق هذه القراءة، عصيًّا على الحل متى توافرت الإرادة السياسية والضمانات المتبادلة. فالتشابك بين الملفات يجعل معالجة كل أزمة بمعزل عن الأخرى خيارًا محدود الفاعلية، فيما يتيح المسار الشامل فرصة لتبادل الضمانات وتخفيف المخاوف وبناء تسويات أكثر استدامة.
في المقابل، يطرح التصعيد الذي ينتهجه “حزب الله”، من الإعلان عن وصول مئتي مليون دولار إلى ما أثير بشأن نقل المتفجرات، أسئلة جدية حول حدود الالتزام بقرارات الحكومة اللبنانية وسيادة مؤسسات الدولة. فمثل هذه التطورات، إذا ثبتت تفاصيلها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها سجالا سياسيًا، بل باعتبارها اختبارًا لقدرة الدولة على تطبيق قراراتها وإنفاذ القانون. وقد اختارت الحكومة، في المقابل، التمسك بقراراتها وإحالة الملفات ذات الصلة إلى القضاء، في تأكيد أن معالجة الخلافات يجب أن تتم عبر المؤسسات الدستورية والقضائية، لا من خلال فرض الوقائع أو اللجوء إلى منطق القوة.
وفي هذا الإطار، اكتسبت اللقاءات التي عقدها رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني أهمية إضافية، باعتبارها جزءًا من جهود احتواء التوتر وفتح مسارات سياسية جديدة. وتبرز هنا إمكانية إعادة تفعيل قنوات الحوار المباشر بين “حزب الله” والسلطات الدستورية اللبنانية، بما يسمح بمناقشة الخلافات بعيدًا من الشروط المسبقة التي يضعها “الحزب” للدخول في أي حوار. غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهنًا باستعداد الأطراف للاعتراف بمرجعية الدولة واحترام قراراتها.
لذلك، قد تشكل المرحلة المقبلة اختبارًا حاسمًا للبنان والمنطقة معًا، إما الانتقال من إدارة الأزمات إلى تسوية أوسع تعيد الاعتبار للدولة والتفاوض، وإما استمرار التصعيد بما يحمله من مخاطر استنزاف ودمار. وفي الحالتين، يبدو أن السؤال لم يعد من يمتلك القدرة على تعطيل الحل، بل من يستطيع الانخراط فيه بشروط واقعية، قبل أن تفرض التحولات الإقليمية والدولية تسوية لا يملك أي طرف ترف تجاهلها.
أخبار متعلقة :