كتبت أمل شموني في “نداء الوطن”:
في تحوّل هامّ يُمثل لحظة حاسمة في العلاقات الأميركية – السعودية، يُشير التقارب الأخير بين واشنطن والرياض إلى إعادة تقييم لشراكة البلدين التاريخية. هذه الإعادة للضبط – مدفوعة بسياسة الرئيس ترامب الخارجية القائمة على الصفقات وأجندة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الإقليمية الطموحة – تعطي الأولوية للأمن والاستثمار.
فقد اتسمت العلاقات الأميركية – السعودية تاريخيًا باتفاقية النفط مقابل الأمن، وهي تنتقل الآن نحو التركيز على التنافس بين القوى العظمى والتكنولوجيا المتقدّمة. في هذا الإطار، قال مسؤول أميركي رفيع المستوى، مسلّطًا الضوء على أهمية اجتماع ترامب وبن سلمان: “شراكتنا مع السعودية ليست مفيدة فحسب، بل لا غنى عنها. معًا، نبني شرقًا أوسط جديدًا، ينعم بالسلام وفرص العمل الحقيقية”.
ويؤكد الارتقاء الأخير بالسعودية إلى مرتبة “حليف رئيسي” من خارج حلف “الناتو”، أهميتها المتزايدة في السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيّما في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة. وتشير الاتفاقات الرئيسية، بما في ذلك بيع مقاتلات “أف 35” واتفاق الدفاع الاستراتيجي الأميركي – السعودي، إلى تعميق العلاقات التي لا تركز فقط على التعاون العسكري، بل أيضًا على شراكات اقتصادية متنامية.
علاوة على ذلك، تشير الالتزامات الأولية في شأن التعاون النووي المدني وبيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، إلى التزام بتعزيز التبادل التكنولوجي، الذي قد يُعيد تشكيل ديناميكيات القوة الإقليمية. هذا التقارب ليس مجرّد تعديل تكتيكي، بل استراتيجية طويلة الأمد. فبحسب خبير عسكري أميركي، تُعدّ السعودية بالنسبة إلى ترامب، ركيزة أساسية في مواجهة نفوذ الصين وروسيا في المنطقة.
ومع مضي واشنطن والرياض قدمًا، تُعيدان تقييم تحالفهما القديم، محوّلتين التركيز من أمن الطاقة إلى شراكة متعدّدة الجوانب تشكّلها الحقائق الجيوسياسية الجديدة. وتحمل هذه الشراكة المترسّخة حديثًا آثارًا عميقة في كافة أنحاء الشرق الأوسط، وإشارة إلى تحوّلات محتملة في علاقة الرياض مع واشنطن. فالتوترات المتزايدة، التي تتجلّى في التهديدات الصاروخية الإيرانية المستمرّة، إلى جانب العمل العسكري الإسرائيلي الأخير في قطر، تدفع بالرياض إلى استكشاف ترتيبات أمنية متنوّعة. وأوضح دبلوماسي أميركي سابق أن بن سلمان يرى “الولايات المتحدة كضامن أمني لا غنى عنه، ولا سيّما في ظلّ التهديدات المتزايدة من إيران وعدم الاستقرار في اليمن”. من هنا، يُمثل اجتماع تشرين الثاني 2025 “إعادة ضبط” للعلاقات الأميركية – السعودية، وهو ما يراه العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية “تحوّلًا جذريًا”.
غير أن إعادة تقييم الأولويات بين واشنطن والرياض لا تقتصر فقط على مصالح البلدين، بل تطال كافة أنحاء العالم العربي الأوسع. فبحسب خبير في سياسات الشرق الأوسط، يؤكد هذا “التنشيط” مكانة الرياض على اتجاه أوسع، إذ تأتي تطلّعات بن سلمان للتطبيع مع إسرائيل، على سبيل المثال، من ضمن رؤية ترامب الأوسع للشرق الأوسط. فبينما كرّر ولي العهد دعمه لقيام دولة فلسطينية، فإن السعي إلى تحقيق السلام يعتمد على توازن دقيق للمصالح الإقليمية. ويعكس هذا الواقع سعيًا دؤوبًا نحو الاستقرار، متجاوزًا المظالم التاريخية التي لطالما صبغت الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.
من جانب آخر، يرتكز التحالف الأميركي – السعودي المتنامي على التزامات استثمارية كبيرة تعهّدت بها الرياض، والمتوقعة بمئات المليارات من الدولارات. تتوافق هذه الاستثمارات بشكل وثيق مع “رؤية 2030” السعودية، الهادفة إلى تنويع اقتصاد المملكة وتعزيز حضورها الاقتصادي العالمي. ويشير المحلّلون إلى أن نجاح العلاقات الأميركية – السعودية قد تكون له تداعيات كبيرة على الاستقرار والازدهار الإقليميين. علاوة على ذلك، ترسّخ الشراكات التكنولوجية، ولا سيّما في مجال الذكاء الاصطناعي، مكانة المملكة كلاعب ناشئ في الساحة التكنولوجية، معززة بذلك الابتكارات التي من شأنها أن تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي السعودي جذريًا وتعيد تعريف المنافسة التكنولوجية في كافة أنحاء المنطقة.
وعلى الرغم من الخطاب الاحتفالي المحيط بهذه اللقاءات، يُحذر الخبراء من “التهاون في العلاقات”. وستعتمد فعالية هذه الشراكات إلى حدّ كبير على الدعم المؤسّسي وإشراف الكونغرس. يثير غياب الاتفاقات الرسمية المصدّق عليها تساؤلات جوهرية حول استدامة هذه الالتزامات، ولا سيّما في ظلّ تقلّبات الديناميكيات السياسية الأميركية واحتمالية تحوّل الإدارات المستقبلية في اتجاهات مختلفة.
وفي سياق موازٍ، تشكّل التعقيدات الدائمة للسياسة الإقليمية – التي تتسم بالصراعات المستمرّة والتنافسات المتجذرة – عقبات هائلة قد تُحبط التطلّعات التي تمّ التعبير عنها خلال لقاءات واشنطن الأخيرة، إذ لا تزال مسارات الدبلوماسية المعقدة عُرضة للاضطراب، ما قد يُؤدّي إلى عواقب غير مقصودة في منطقة متقلّبة أصلًا. ويبقى السؤال الحاسم: هل سيُحقق هذا التحوّل الاستراتيجي الاستقرار والازدهار في المنطقة، أم سيُرسّخ هذا التقارب، عن غير قصد، التوترات القائمة ويُحفز تحديات جديدة في المشهد الجيوسياسي المتغيّر باستمرار في الشرق الأوسط؟ يُراقب المجتمع الدولي عن كثب تطوّر هذه السردية المعقدة، مدركًا أن المخاطر جسيمة وأن تداعياتها تتجاوز بكثير العلاقة الثنائية.
من جانب آخر، يعيد هذا التطور، الذي اتسم باتفاقات دفاعية جديدة، ومبيعات أسلحة متطورة، وشراكة استراتيجية متجدّدة، تشكيل قدرات الردع والتحالفات في بيئة متقلّبة تتسم بالضربات الصاروخية والديناميكيات الجيوسياسية المتغيّرة. ويشكّل تصنيف الرياض “حليفًا رئيسيًا” من خارج “الناتو” جوهر هذا الإطار الأمني الناشئ، وهو وضع يُبسّط وصول السعودية إلى المعدّات العسكرية الأميركية المتطورة وشروط التعاون التفضيلية. ويضع الرياض في مجموعة مختارة تضمّ إسرائيل وقطر فقط، ما يُتيح الموافقة السريعة على عمليات نقل الأسلحة والتدريبات العسكرية المشتركة. ونتيجة لذلك، فإن تدفق مقاتلات الجيل الخامس ودبابات “أبرامز” ليس مجرّد ترقية مهمة في جاهزية الدفاع السعودي، بل هو عامل تغيير جذري في التوازن العسكري في المنطقة. ومن المتوقع أن يعزز ذلك القدرات السعودية في التفوّق الجوّي والمراقبة وردع الصواريخ في كافة أنحاء شبه الجزيرة العربية.
ويمكن القول إن أبرز ما يميّز هذه العلاقة هو اتفاق الولايات المتحدة على بيع مقاتلات “أف 35” إلى المملكة، إذ تتيح هذه الخطوة التاريخية لدولة عربية تشغيل أحدث مقاتلات الشبح الأميركية للمرّة الأولى، ما يُعيد ضبط ديناميكيات القوة في علاقتها بإيران وإسرائيل ودول الخليج الأخرى. ورغم تأكيدات الرئيس ترامب الحفاظ على التفوّق العسكري لإسرائيل، فإن تسليم مقاتلات “أف 35” يُمكّن السعودية من: 1) ردع الأعمال العدائية بفعالية أكبر من خلال تعزيز قدرات الإنذار المبكر والضربات، 2) الاستجابة بشكل أسرع للتهديدات الوشيكة، بما في ذلك إطلاق الصواريخ الإيرانية أو الهجمات بالوكالة، 3) إبراز قوتها العسكرية خارج حدودها، وممارسة نفوذها في البؤر الإقليمية الساخنة، مثل اليمن والبحر الأحمر.
كما يُشير جون هانا، خبير الدفاع في شؤون الشرق الأوسط، إلى أن “القوة النسبية للسعودية ستزداد مقارنةً ليس فقط بإسرائيل، بل بدول المنطقة الأخرى، وسيميل ميزان القوة العسكرية لمصلحتها”. ويرى مراقبون أن اتفاق الدفاع الاستراتيجي الجديد، وهو اتفاق مُلزم يعد بتعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي، يشكّل ركيزة التقارب الأميركي – السعودي.
وقد صاغ البيت الأبيض هذا الاتفاق على أنه انتصارٌ لأجندة “أميركا أوّلًا”، إذ يؤمّن تمويلات حيوية لتقاسم الأعباء، مع إعادة تأكيد دور الرياض كقوة إقليميةٍ فاعلة. ويحيي هذا الاتفاق “مبدأ كارتر” في سياق معاصر تلوح فيه التهديدات الإيرانية بشكل أكبر من أي وقت مضى. ويكمن مفتاح هذا الاتفاق في دمج أنظمة الدفاع الجوي والبحري والصاروخي السعودية مع أصول القيادة المركزية الأميركية، ما يُمهّد الطريق لمزيد من التدريبات المشتركة الطموحة وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية. ويهدف هذا الجهد الجماعي إلى تعزيز قدرات الخليج على ردع العدوان الإيراني والتصدّي له بفعالية.
باختصار، يُمثل التقارب الأميركي – السعودي الأخير أهم تحوّل في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط منذ “اتفاقات أبراهام”، إذ سيُعيد رسم التحالفات الإقليمية، سواء كان هذا التقارب سيُرسّخ نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا، أم سيُمهّد الطريق لصراعات أكثر اشتعالًا، فهو سؤال سيشغل الدبلوماسيين والمحلّلين لسنوات مقبلة.
أخبار متعلقة :