كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:
مرّ خبر وفاة رفعت الأسد مرورًا عابرًا في 21 كانون الثاني 2026، على خلاف مروره العاصف في تاريخ سوريا. الرجل الذي حيكت حوله الأخبار والروايات ورسم طريق السلطة أمامه وأمام أخيه رئيس النظام السوري حافظ الأسد بالدم والموت والمجازر، لم يجد من يرثيه أو يعلن عن المكان الذي مات فيه، ولا عن موعد دفنه، ولا حتى عن مكانه. ولم تكن هناك حتى ورقة نعي تُذكر عليها أسماء الأب والأم والإخوة والأخوات والأبناء وتحدّد مواعيد تقبّل التعازي.
العائلة التي حكمت سوريا ولبنان بالقوة والحديد والنار على مدى ستين عامًا، انتهت لتنصبّ عليها لعنات كثيرة. العائلة التي عاش أبناؤها في القصور وتمتّعوا بخيرات سوريا وكأنها ملك خاص لهم بأرضها وشعوبها، لم يبقَ لهم في سوريا حتى مجرّد قبر يُدفنون فيه. النظام الذي حاول أن يلغي وجود لبنان وكيانيته واستقلاله ويجعله جزءًا من ممتلكاته الخاصة انتهى إلى غير رجعة. مات الأسد وعاش لبنان.
نعمة القصور ولعنة القبور
لم تكن قصة رفعت الأسد من الولادة إلى الموت القصة الوحيدة التي رسمت طريق العائلة من القمة إلى الحضيض. كأن نعمة القصور تحولت إلى لعنة القبور. في 10 حزيران 2000 مات حافظ الأسد بعدما أمضى في حكم سوريا ثلاثين عامًا. تقاطر رؤساء دول كثيرة للسير في جنازته وتحوّل مسقط رأسه في القرداحة مقصدًا لكثير من أتباع النظام السوري في لبنان وللذين نعموا بما أسبغه عليهم من مناصب ومكرمات، وتحوّل قبره إلى ما يشبه المزار، وأُطلِق عليه الكثير من الصفات التي لم تطلق عليه وهو حيّ. ولكن مراسم التعظيم والمرافقة الدولية في وداعه لم تدم طويلًا. عندما كان حافظ الأسد ينزل تحت التراب كان المشهد يوحي وكأن سوريا التي حكمها ذاهبة معه إلى القبر. عاشت من بعده في المعاناة والمرض والموت غير المعلن حتى 9 كانون الأول 2024 عندما سقط النظام وهرب وريثه بشار إلى موسكو مع من تسنى له أن يأخذهم معه من عائلته الصغيرة. لم تمضِ أيام على وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة حتى توجّه أنصار النظام الجديد إلى القرداحة ونبشوا قبر الأسد الأب ولعنوه وبعثروا محتوياته وعاثوا فيه خرابًا وأحرقوا المقام الذي احتضنه، راسمين صورة جديدة لسوريا مختلفة عن تلك التي حكمها الأسد قبل موته وبعده.
الإبن وسرّ أبيه
منذ تسلم بشار الأسد السلطة في سوريا خلفًا لوالده لم يخطر في باله أنه يتسلّم مسؤولية تصفية تركته الثقيلة. راهن كثيرون على أنه سيعطي لسوريا وجهًا جديدًا لأنه يختلف عن والده ولكنه عمل ليكون نسخة طبق الأصل. ليس صحيحًا أنه حكم سوريا بعد وفاة والده. الصحيح أنه بدأ يحكمها قبل وفاته. منذ العام 1997 تصرّف على أساس أنه حاكم سوريا ولبنان معًا. بدأ يبعِد الطاقم الذي رافق عهد والده في سوريا ويؤسّس ليسلّم لبنان إلى الطاقم الذي يواليه مباشرة فكانت رئاسة إميل لحود بعد انتهاء ولاية الرئيس الياس الهراوي الممدّدة عام 1998. منذ تلك الساعة بدأت معركة إقصاء من يمكن أن يشكّلوا معارضة لعهد بشار الأسد المنتظر وبدأ الحديث عن المحور الذي يؤسّسه الرئيس رفيق الحريري للتدخل في سوريا بالتضامن والتكافل مع عبد الحليم خدام نائب الرئيس وحكمت الشهابي رئيس الأركان في سوريا. بعد اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط 2005 خرج جيش النظام السوري من لبنان وأيقن الأسد الإبن أن معركته خاسرة وأن خروجه من لبنان يعني أن يدافع عن نظامه في دمشق.
الإبن الذي لم يحكم
وصل بشار الأسد إلى السلطة على أنقاض عهد أخيه باسل الذي لم يتسن له أن يبدأه. كانت الوراثة معقودة للإبن البكر لأن وضع الأب الصحي لم يكن مستقرًّا. في 21 كانون الثاني 1994، وكان يوم جمعة، قضى الوريث الأول في حادث سير صاعق. إنه التاريخ نفسه الذي أُعلنت فيه وفاة عمّه رفعت بفارق 32 عامًا. بعد ظهر ذلك اليوم قطع التلفزيون السوري برامجه المعتادة ليذيع الخبر. يُقال إنه كان في طريقه إلى ألمانيا لاستلام سيارة صُنعت خصّيصًا له من شركة مرسيدس الألمانية. على طريق مطار دمشق الدولي حصل الحادث وقُتِل باسل. يُقال أيضًا إنه لم يتجرأ أحد أن يخبر حافظ الأسد خوفًا عليه من وقع الصدمة قبل أن يتولّى مصطفى طلاس وحكمت الشهابي هذه المهمة.
بين الأخ وأخيه
لم يكن رفعت الأسد موضوعًا على لائحة الوراثة. أحد أسباب الخلاف بينه وبين أخيه حافظ ربّما كان بسبب هذا الأمر، لأن الأخ الأكبر اختار أن يكون باسل خليفته، لذلك كان من الطبيعي أن يضحّي بأخيه الذي صانه وقاتل من أجله واعتبر أنه يمكن أن يكون الوريث المستحق لهذه الوراثة عن جدارة. على عكس صورة حافظ الجامع لوجوه كثيرة في تراتبية السلطة خلفه، أعطيت الأوصاف القبيحة لرفعت. الصفة الدائمة التي رافقته كانت جزار حماه. ويمكن أن يكون جزار النظام. الأخ الشقي الذي تحمّل خطايا الحكم، ومن خلال الشخصية المركّبة التي عُرِف بها، كان من السهل أن يحمل هذه الصفات، وربّما لم يكن هذا الأمر يغضبه بل محلّ ترحيب منه، طالما هو دليل قوة ونفوذ وحضور وهيبة ومدعاة إلى تخويف الآخرين.
منذ انقلاب البعث في 8 آذار 1963 لعب رفعت دورًا عسكريًا بارزًا في حماية النظام الجديد. وكان على رأس سرايا الدفاع التي أسّسها، رأس حربة في الدفاع عن أخيه حافظ. المرة الأولى في 23 شباط 1966 في الإنقلاب ضد الرئيس أمين الحافظ الذي مثل سلطة البعث السياسية. والمرة الثانية عام 1970 عندما لعب دورًا بارزًا في انتصار حافظ على رفيقه في اللجنة العسكرية اللواء صلاح جديد وزجّه مع الرئيس نور الدين الأتاسي في السجن.
من سجن تدمر إلى حماة
صار حافظ الأسد في قصر الرئاسة السوري وكان رفعت القوة الأساسية لحمايته على الأرض. عندما حصلت أحداث حماه عام 1982 وسجن تدمر عام 1980، في الصراع مع الإخوان المسلمين بعد محاولة اغتيال استهدفت رأس النظام عام 1980، أُلصِقت بالأخ الأصغر كل الصفات السيئة وهي لم تأتِ من فراغ بل نتيجة ممارسة دموية من دون أي رادع. عندما قام رفعت بكل ذلك لم يكن يدافع عن نفسه بل عن النظام. وعندما دخل الأسد الأكبر في نزاع مع الموت نتيجة أزمته الصحية المفاجئة، وهو بعد في بداية الخمسينات من عمره، لم يندفع الأخ الأصغر إلى الشوارع مع دباباته دفاعًا عن نفسه بل عن أخيه. ولم يكن ينفذ انقلابًا على أخيه بل كان يقفل الطريق أمام الطامحين الآخرين المنافسين له على طريق الخلافة. عندما تعافى الأسد، وبعدما عينه نائبًا له عام 1984، عاد واختار أن يبعد شقيقه بعدما فضل أن يستمرّ في الإتكال على معاونين لا يمكن أن يمثلوا أيّ منافسة له. ولذلك أمّن أموالًا قيل إنّها أتت عن طريق الزعيم الليبي معمر القذافي وأعطاها لرفعت الذي ارتضى أن يحصل على المال ويتخلّى عن السلطة، فخرج إلى عالم المال والأعمال في أوروبا ولكن منذ ذلك الخروج ارتبط اسمه بالكثير من الفساد والسيئات والخروج على القوانين.
نهاية رجل وعائلة
عندما اشتدّ الطوق القضائي عليه وبعيد صدور حكم عليه بالسجن في باريس، حصل على عفو من ابن أخيه بشار فعاد إلى سوريا وهو في المقلب الآخر من العمر متخطّيًا الخامسة والثمانين وكأنه كان عائدًا ليموت في سوريا ويُدفَن فيها. ولكن الأحداث تخطّته وتخطّت راعيِه. وبدل أن تكون سوريا الملاذ الآمن له، وجد نفسه في مواجهة قدر جديد فحمل ما تيسّر له من مال وفرّ من سوريا على وجه السرعة. يُقال إنه خرج عن طريق لبنان وتمكّن من السفر عبر المطار بينما تم توقيف زوجة ابنه دريد وابنتهما لحيازتهما جوازي سفر مزورين.
بعد عام واحد تقريبًا على فراره الأخير لم يستطع رفعت أن يهرب من طريق الموت. مثله اختفى بشار وأخوه ماهر وسائر أفراد العائلة. ومثله أيضًا قد لا يجدون مكانًا في سوريا يعودون إليه، أو يدفنون فيه. ودائما هناك من ينتظر على ضفة النهر، بينما تنتقل سوريا إلى عهد جديد ويمضي لبنان في العودة إلى ما كان عليه قبل وقوعه قي قبضة الأسد الأب والإبن.
أخبار متعلقة :