كتب سامر زريق في نداء الوطن:
تتعرض رئاسة الجمهورية لحملة ضغط سياسي مركّب ومكثف، يتصدرها رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، ظاهرها دفع الرئيس جوزاف عون إلى رد قانون العفو، وباطنها محاولة إحداث شرخ بين بعبدا واليرزة، أو بين الأولى والشارع السنّي، واستثمار الاصطفافات التي رافقت إقرار القانون وما حملته من شحن طائفي ومذهبي. وفي قلب هذه المعركة تبرز قضية الشيخ أحمد الأسير باعتبارها العقدة التي تكشف حقيقة الصراع حول القانون وحدود المصالحة الوطنية.
باسيل، الذي وجد في هذه الحملة فرصة لإعادة تدوير نفسه سياسيًا، يخوض حملته بـ”عيارات” شعبوية لا تخلو من التضليل. يتحدث عن “رفض العفو عن قتلة ومغتصبي الأطفال والنساء”، رغم علمه بأن هذه الجرائم مستثناة من الاستفادة من القانون، ومشاركة ممثلين عن كتلته في اجتماعات اللجان النيابية التي درست مواده. ناهيكم عن “رفض العفو عن قتلة الجيش” وهو عيار يضمر مخاتلة سياسية بين المبدئيات وتبني رواية “حزب الله”، وأحكامه المسبقة التي صدّرها عبر المحكمة العسكرية، بموازاة توظيف دماء الجيش في جردة حساب سياسية مع بعبدا.
بيد أن مسار المصالحة الوطنية التي بنيت عليها فلسفة مشروع القانون تأخذ منحًا آخر، يمكن الاستدلال عليه بمؤشرين بارزين. الأول، مطالبة النائب غادة أيوب رئيس الجمهورية بـ”إصدار عفو خاص عن الشيخ أحمد الأسير لرفع المظلومية عنه”، انطلاقًا من أن قانون العفو جاء لمعالجة غياب العدالة، وعدم محاسبة عناصر “حزب الله” و”سرايا المقاومة” عن “كمين عبرا”، ومسؤوليتهم عن دماء شهداء الجيش، رغم الدلائل والتوثيقات.
هذا الطرح ليس موقفًا فرديًا، بل يندرج ضمن سياق سياسي يترجم ما يتداول في الكواليس السياسية حول ضغوط داخلية وخارجية تقف خلفها عواصم عدة فاعلة، تدفع باتجاه إقفال قضية الشيخ الأسير وبقية الموقوفين الذين أقصتهم تسوية الأمتار الأخيرة من القانون، سواء عبر صيغ قانونية تؤدي لإطلاق سراحهم خلال فترة وجيزة، أو عبر عفو خاص إذا تعذرت المخارج الأخرى، بوصفه أداة دستورية تدخل في صلاحيات رئيس الجمهورية وتستخدم لمعالجة حالات محددة، منها مظالم فردية بقيت معلقة على مذبح تسويات سياسية عجزت عن استيعابها.
لم يستحضر عن عبث ذاك العفو الذي أصدره رئيس الجمهورية السابق لشخصيات ذوي سير ملتبسة، حيث أعيد إلى التداول الإعلامي لتأدية هدف محدد. ويكتسب هذا الاحتمال بعدًا إضافيًا في ضوء المؤشر الثاني، وهو زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى ثكنة “بنوا بركات” في صور، وحفاوة استقبال المؤسسة العسكرية ووزير الدفاع له، وما حمله خطابه من رسائل سياسية، من دعوته إلى تحصين المؤسسة العسكرية من الانقسامات السياسية والابتعاد عن شرور الطائفية، إلى التأكيد على وجود سلطة واحدة.
هذا المشهد أعاد ترسيم الحدود بين القرار السياسي والمؤسسة العسكرية، وتوكيد التزام الجيش بقرار مجلس الوزراء، وأغلق الباب أمام تحويله إلى طرف في الاشتباك السياسي، أو منصة لإنتاج أعراف ومراكز قرار موازية خارج الأطر الدستورية. ومن نافل القول أن العامل الخارجي كان حاضرًا في صلب الاتصالات والتفاهمات التي سبقت جولة سلام ومهدت لحصولها، بما فيها زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى دار الفتوى لتخفيف حدة الاستقطاب، وإزالة الالتباس الذي خلّفه السجال المشحون.
بكافة الأحوال، يبدو رئيس “التيار الوطني الحر” كمن يسبح عكس التيار والتحولات السياسية. أو أن شهوة الثأر من رئيس الجمهورية، وفي ملعب الجيش بالذات، طغت على إشارات التودد التي ما برح يرسلها باتجاه بعض العواصم الفاعلة. وربما أراد إحداث ضجيج مربك ليقول للجميع أنه لا يزال في الساحة.
ذلك أن رد قانون العفو إلى المجلس النيابي، فيما لو حصل، قد يفتح معركة سياسية تعيد الشيخ الأسير وسائر الموقوفين إلى لائحة المستفيدين من العفو على ضوء الزخم السياسي المستجد، ليخرج باسيل مأزومًا أكثر من دون تسجيل أي مكسب سياسي سوى إضرام عدواة الشارع السنّي معه. ويبقى السؤال: هل يكون العفو الخاص هو الطريق لإنصاف الأسير ومن معه، وإخراج قضية الموقوفين من “بازار” المزايدات إلى الفعل الناجز لمرة واحدة وأخيرة تطوي لطخة سوداء في جسد الجمهورية؟




