كتبت بتول يزبك في “المدن”:
لم يعد الكلام عن السلام مع إسرائيل فكرةً هامشية في النقاش اللبناني، ولا طرحًا يُقال بخفر ثمّ يُسحب تحت ضغط الاصطفافات. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يدخل مفهوم “إنهاء حالة العداء” إلى قاموس الدولة اللبنانية نفسه. رئيس الجمهورية جوزاف عون يقول إنّ لبنان مصمّم على إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، وإنّ اللبنانيين تعبوا من الحروب، وإنّ الدبلوماسية هي الطريق إلى ذلك. وفي المقابل، يرفع “لقاء سيدة الجبل” السقف أكثر، داعيًا إلى “إيجاد طريق نحو السلام”.
لكنّ المسافة بين إعلان الرغبة في السلام والوصول إليه ليست بالهينة. فالسؤال لم يعد عمّا إذا كان لبنان يريد الحرب أو السلام. لا يحتاج بلدٌ أنهكته الحروب، وخسر قرًى وأرواحًا واقتصادًا وفرصًا، إلى إثبات كراهيته للحرب. السؤال الفعلي هو: هل لبنان جاهز سياسيًّا وداخليًّا للانتقال من إدارة الصراع إلى إنهائه؟ وإذا كان جاهزًا، فهل إسرائيل جاهزة للسلام نفسه، أم أنّها تريد تسوية أمنية تُترجم تفوّقها العسكري إلى وقائع دائمة على الأرض؟ وهل يكون طرح السلام، بينما تستمرّ الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، فعلًا سياديًّا يهدف إلى إخراج لبنان من الحرب، أم يتحوّل، إذا اختلّت شروطه، إلى استعجال لتسوية من موقع الطرف الأضعف؟
من “إنهاء العداء” إلى السلام
لا يتحدّث عون حتى الآن عن انتقال فوري إلى تطبيع العلاقات أو توقيع معاهدة سلام منفردة مع إسرائيل. العبارة التي يستخدمها أكثر حذرًا: “إنهاء حالة العداء”.
لكنّ مجرّد إدخال هذه العبارة إلى الخطاب الرسمي ليس تفصيلًا سياسيًّا. فهي تعني الانتقال من إدارة وقف إطلاق النار إلى البحث في طبيعة العلاقة نفسها، أي من السؤال عن كيفية إيقاف جولة عسكرية إلى السؤال عمّا إذا كان بالإمكان إنهاء منطق الجولات أصلًا.
رئيس “لقاء سيدة الجبل” النائب السابق فارس سعيد يضع هذا النقاش في إطار إقليمي أوسع. وفي حديثه لـ”المدن”، يعتبر أنّ المنطقة تشهد “صعودًا للراديكاليات”، وأنّ مواجهة هذا الصعود تفرض على أصحاب المصلحة الوطنية، من مسلمين ومسيحيين، الاجتماع و”ابتكار طريق عربي ودولي نحو السلام يرتكز على الحرية والعدالة والحقوق”.
ويفرّق سعيد بين ما يطرحه رئيس الجمهورية وما يدعو إليه “سيدة الجبل”. فبحسبه، يتحدّث عون عن إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، فيما يذهب اللقاء أبعد من البعد السياسي المباشر، إلى ما يصفه بمفهوم ثقافي للسلام أيضًا.
بهذا المعنى، لا يقدّم سعيد السلام باعتباره تفاهمًا حدوديًّا فحسب، بل انقلابًا على الثقافة السياسية التي حكمت المنطقة لعقود، أي على فكرة أنّ الصراع المستمرّ هو الحالة الطبيعية، وأنّ أي خروج منه خيانة أو تنازل. لكن عند سؤاله عمّا إذا كان لبنان، بوضعه الحالي، جاهزًا لهذا المسار، يقلب سعيد السؤال نفسه: “ما الخيار الآخر المتاح أمامه؟”.
هل يصبح طلب السلام استجداءً؟
هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية في النقاش اللبناني.
قد يقول خصوم هذا الطرح، ولا سيما حزب الله وبيئته، إنّ الحديث عن السلام في لحظة تواصل فيها إسرائيل اعتداءاتها، وتحتلّ أراضي لبنانية، وتمنع عودة الحياة الطبيعية إلى أجزاء من الجنوب، يعني تقديم تنازل سياسي قبل أن تتراجع إسرائيل ميدانيًّا.
سعيد يرفض هذا المنطق. ويشير إلى أنّ الجهات التي تعترض على التفاوض تحاول هي نفسها، عبر قنوات مختلفة، التوصّل إلى تفاهمات أو ترتيبات مع الإسرائيليين والأميركيين. ويستشهد بالتجربة السورية الجديدة، لافتًا إلى علاقات قائمة مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وإلى أنّ مسؤولين سوريين وإسرائيليين التقوا بعد ضربات إسرائيلية قرب الحدود التركية، وصولًا، بحسب تعبيره، إلى نوع من آلية متابعة إسرائيلية – تركية – سورية.
ومن هنا يسأل سعيد: إذا كان ذلك مسموحًا للآخرين، “فكيف يصبح ممنوعًا علينا؟”. المسألة بالنسبة إليه تتعلّق بمن يملك حقّ التفاوض باسم لبنان، لا بمبدأ التفاوض نفسه. وعندما يُسأل عمّا إذا كان فشل حزب الله في إيجاد طريق للخروج من الحرب يعني أنّ الدولة يجب أن تكون البديل، تأتي إجابته مباشرة: “نعم”.
السلام يبدأ من سؤال الدولة
لا تستطيع دولة أن تبرم اتفاق عدم اعتداء فيما قرار الحرب موزّع بينها وبين قوة عسكرية أخرى. وهذه عقدة لا يمكن لأي نقاش عن السلام تجاوزها. فإذا أراد لبنان إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، فهذا يفترض، منطقيًّا، أن تصبح الدولة صاحبة القرار الوحيد في فتح حالة العداء أو إنهائها. أي إنّ النقاش حول السلام يرتبط حكمًا بمسألة احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب.
ليس لأنّ إسرائيل يحقّ لها أن تحدّد شكل النظام الأمني اللبناني، بل لأنّ الاتفاقات بين الدول تحتاج إلى جهة واحدة قادرة على الالتزام بها.
سعيد يربط هذا البعد الداخلي بمواجهة ما يسمّيه صعود الراديكاليات الإسلامية في المنطقة. ويشير إلى شعارات من نوع “يا مسلمي العالم اتّحدوا”، معتبرًا أنّ الردّ اللبناني يجب أن يكون بإعادة إحياء تجربة لبنان في التعايش والسلام.
لكنّه يقرّ في الوقت نفسه بأنّ هذا السلام يحتاج إلى متطلّبات داخلية. فالدستور موجود. والدولة موجودة نظريًّا. والمؤسّسات قائمة. لكنّ السؤال الذي رافق لبنان طوال العقود الماضية هو ما إذا كانت هذه الدولة تمتلك فعلًا وحدها حقّ تنفيذ ما تقرّره.
المشكلة ليست فقط في استعداد لبنان
لكنّ افتراض أنّ لبنان يستطيع الانتقال إلى السلام بمجرد حسم خياره الداخلي يصطدم بمشكلة أخرى: إسرائيل نفسها.
وهنا يقدّم السفير اللبناني السابق في واشنطن رياض طبارة قراءة أكثر تشاؤمًا لميزان القوى وللأهداف الإسرائيلية. بالنسبة إلى طبارة، لا يستطيع لبنان البقاء في الوضع الحالي إلى ما لا نهاية. الحرب لم تنتج حلًّا، والسلام لم يتحقّق، كما أنّ الارتماء الكامل في أحضان الولايات المتحدة وطلب حمايتها من إسرائيل ليس سياسة واقعية.
فالمشكلة عنده تنتقل فورًا إلى الطرف الإسرائيلي: ماذا تريد إسرائيل أصلًا؟
وهو السؤال الذي يكاد يكون غائبًا أحيانًا عن النقاش اللبناني. إذ ينشغل اللبنانيون بالسؤال عمّا إذا كان حزب الله يقبل السلام، وما إذا كانت البيئة الشيعية مستعدّة له، وما إذا كانت الدولة قادرة على الذهاب إليه، فيما يبقى السؤال عن سقف المشروع الإسرائيلي أقلّ حضورًا.
طبارة يلفت إلى أنّ أوساطًا داخل الحكومة الإسرائيلية والتيارات المحيطة بها تحدّثت، وكتبت مرارًا، عن أنّ إسرائيل لم تكن أقرب في أي وقت إلى تصوّر “إسرائيل الكبرى” ممّا هي عليه اليوم. وفي قراءته، تبدأ المرحلة المقبلة من هذا المشروع بما يجري في غزّة والضفة الغربية، من تقليص للوجود الفلسطيني وفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة. لكنّ انعكاس ذلك على لبنان، بالنسبة إليه، أكثر مباشرة.
“أرض محروقة” على الحدود؟
يرى طبارة أنّ إسرائيل تريد إنشاء شريط حدودي بعمق كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات، يتحوّل عمليًّا إلى “أرض محروقة”، بما يسمح لها بإعادة مستوطني الشمال ويحدّ من قدرتهم، من وجهة نظرها، على التعرّض لهجوم بري مفاجئ. فالهاجس الإسرائيلي، وفق طبارة، ليس الصواريخ وحدها. إسرائيل تعرف أنّ حزب الله يستطيع إطلاق الصواريخ من مناطق بعيدة عن الحدود، من البقاع أو غيره. لذلك، فإنّ الغاية الأساسية من المنطقة الحدودية، وفق تقديره، ترتبط بمنع سيناريو شبيه بما جرى في السابع من أكتوبر، أي عبور الحدود، وتنفيذ هجوم برّي، وخطف إسرائيليين، ثمّ إعادة فتح المواجهة على نطاق واسع.
ومن هنا، لا يعتقد طبارة أنّ إسرائيل ستتخلّى بسهولة عن هدف إنشاء هذه المنطقة. ويقول إنّ المواقف الإسرائيلية المعلنة لا توحي باستعداد طوعي للتراجع عنها. فإذا كان السلام الإسرائيلي المطلوب يشترط وجود منطقة خالية أو مقيّدة داخل الأراضي اللبنانية، فالمسألة لم تعد فقط نزع سلاح حزب الله. تصبح القضية متعلّقة بشكل السيادة اللبنانية نفسها.
طبارة يذهب إلى السؤال الأكثر حساسية: هل يعني ذلك أن يتنازل لبنان عن أجزاء من أراضيه؟ وهو يشير إلى أنّ أفكارًا متعدّدة تُتداول. منها انسحاب إسرائيلي كامل، ومنها بقاء الأرض لبنانية من الناحية القانونية والسيادية، لكن مع فرض قيود على دخول اللبنانيين إليها.
أي إنّ السيادة، في بعض الصيغ المطروحة، تبقى مكتوبة على الورق، فيما تُقيّد ممارسة اللبنانيين لحقّهم في أرضهم. ولا يرى طبارة أنّ إسرائيل مستعدّة، في المرحلة الراهنة، لأن تعيد ببساطة إعمار هذه المناطق، وتسمح بعودة السكان، ثمّ تعيد الحدود إلى ما كانت عليه قبل الحرب وكأنّ شيئًا لم يحدث. يقول بوضوح إنّ هذا السيناريو “ليس واردًا حاليًّا في الحسابات الإسرائيلية”.
لأنّ السلام في المنظور اللبناني يفترض انسحاب إسرائيل وعودة السكان وإعادة الإعمار وبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها. أما إذا كان المنظور الإسرائيلي يبدأ من تكريس منطقة أمنية جديدة، فإنّ الطرفين لا يتفاوضان بعد على آليات تنفيذ السلام، بل على تعريفه نفسه.
“اتفاق الإطار”: تفاوض أم شراء للوقت؟
هذه الفجوة هي التي تدفع طبارة إلى التشكيك في القيمة الفعلية للعملية التفاوضية الجارية. فهو يقول إنّ الأمر سيكون مختلفًا إذا كان لبنان قادرًا على فرض شروطه، أو إذا وجدت جهة دولية قادرة بالفعل على إلزام إسرائيل بها.
لكنّه لا يرى أنّ هذا هو الواقع. وبالنسبة إليه، لم يعد ممكنًا التعامل مع إعادة الأراضي والإعمار وعودة السكان باعتبارها نتائج محسومة تنتظر فقط الترتيبات التقنية. فهذه المسائل، من وجهة نظره، غير محسومة إسرائيليًّا. ويطرح سؤالًا: لماذا ندخل في عملية تفاوضية فيما نعرف مسبقًا الموقف الإسرائيلي؟ الإسرائيلي، وفق طبارة، سيضع شروطه، وسيستمرّ في وضعها، لأنّه يعتبر المسألة مرتبطة بأمنه الوجودي.
ثمّ تأتي المعضلة الثانية: من يستطيع الضغط عليه؟
واشنطن: الوسيط الذي يحمل حقيبة إسرائيل
يصف طبارة الولايات المتحدة، من دون كثير من الزخرفة الدبلوماسية، بأنّها تؤدّي عمليًّا دور “محامي إسرائيل”. ويقرّ بأنّ لدى واشنطن هوامش للتأثير على القرار الإسرائيلي، لكنّه يعتبر أنّ اللوبي المؤيّد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة لا يزال قويًّا إلى درجة تحدّ من استعداد الإدارة الأميركية لخوض مواجهة مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية.
ولهذا، يقرأ طبارة معظم المسار الجاري باعتباره عملية “تقطيع للوقت”. فالأميركيون، في تقديره، مرتاحون إلى إدارة المفاوضات من دون الوصول بالضرورة إلى تسوية نهائية، لأنّ ذلك يسمح بضبط الجبهة اللبنانية إلى أن تتّضح صورة التوازنات الإقليمية الكبرى.
ومن هنا، يربط طبارة الحلّ اللبناني بمسار أكبر: التفاهم الأميركي – الإيراني. فهو لا يتوقّع حلًّا نهائيًّا قبل الوصول إلى مثل هذا التفاهم. وعند حصوله، يمكن عندها، وفق رأيه، البحث في مستقبل الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية وفي الصيغة الأمنية التي ستنشأ على الحدود. قد تكون هناك حلول مختلفة، لكنه يكرّر أنّ السيناريو الذي يفترض ببساطة انسحاب إسرائيل، وإعادة إعمار الجنوب، وعودة السكان من دون ترتيبات أو شروط جديدة، ليس السيناريو الذي تعمل عليه إسرائيل حاليًّا.




