كتب الان سركيس في “نداء الوطن”:
يُحاصر “حزب الله” بعدما تلقّى ضربات عسكرية متتالية. يخسر في الجنوب ما كان يعتبره مساحة نفوذ ونقطة ارتكاز ويتراجع في الداخل بعدما تبدلت موازين القوى. ويدخل مرحلة لم يعد فيها السلاح وحده كافيًا لفرض المعادلات. تبدّل الميدان والإقليم ولبنان معه.
يواجه “حزب الله” واقعًا جنوبيًا جديدًا، تضيق أمامه مساحة الحركة. تتقدم الدولة في ملف حصرية السلاح ويتقدم الجيش في الجنوب، وتتحول المفاوضات إلى مسار سياسي لا يستطيع “الحزب” التحكم به منفردًا. لم تعد معادلة “السلاح مقابل الاستقرار” قابلة لإعادة الإنتاج كما كانت. ولم يعد قرار الحرب والسلم قابلا لأن يبقى خارج الدولة.
يسقط حليف بعد حليف في الإقليم. سقط نظام بشار الأسد. وسقط معه واحد من أهم خطوط الإمداد التي ربطت طهران ببيروت. تغيّرت دمشق والحدود. وضُربت شبكات التهريب والإمداد. ولم تعد الطريق أمام “الحزب” مفتوحة كما كانت. تراجعت بذلك إحدى أهم ركائز القوة التي استند إليها لسنوات.
وتدخل إيران مرحلة مختلفة. تتعرض قياداتها لضربات واغتيالات. وتواجه ضغوطًا عسكرية واقتصادية ومالية متصاعدة. يضيق هامشها في تمويل حلفائها. وتصبح الأولوية لحماية الداخل وإدارة الأزمة الاقتصادية. ومع كل ضغط جديد تتراجع قدرة طهران على توزيع الموارد على أذرعها الخارجية.
ويتبدل المشهد الدولي من حول المحور أيضًا. سقط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، ودخلت البلاد مرحلة انتقالية جديدة. تتغير الأنظمة وتتبدل التحالفات وتتراجع شبكة العلاقات التي اعتاد “الحزب” الاستفادة منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لم يعد يتحرك في البيئة نفسها التي وفرت له في السابق شبكة أمان إقليمية واسعة.
ويخسر “حزب الله” في الداخل اللبناني ما هو أخطر. يتراجع الغطاء السنّي، وينقلب حلفاء سابقون على خياراته. ويتقلص الهامش الذي كان يوفر له قدرة على تقديم نفسه كقوة عابرة للطوائف. أما درزيًّا، فتضيق أكثر مساحة الشراكة السياسية. ولم يعد هناك غطاء درزي يمكن الركون إليه عند كل استحقاق.
ويحاول النائب جبران باسيل التمايز. يقترب حينًا ويبتعد حينًا. لكنه لا يريد دفع ثمن الالتصاق الكامل بـ”الحزب”. ويتراجع الوزير السابق سليمان فرنجية بعد سقوط الأسد. يخسر الحليف المسيحي جزءًا أساسيًا من البيئة الإقليمية التي كانت تمنحه ثقلا. ومع تراجع فرنجية يتراجع أيضًا أحد آخر الأغطية المسيحية التقليدية لـ”الحزب”.
لكن الأخطر يبدأ من الداخل. تبدأ البيئة الشيعية بطرح الأسئلة. تسأل عن الحرب وعن الدمار وعن الإعمار. وتسأل عن قرار الحرب والسلم. لا يعني ذلك انقلابًا كاملا على “الحزب”. لكنه يعني أن الاحتكار السياسي داخل البيئة لم يعد كما كان. ويعني أن كلفة الخيارات السابقة أصبحت حاضرة في كل نقاش.
ويجد “الحزب” نفسه مكبلا. لا يستطيع الانسحاب من الحكومة، لأن انسحابه لا يسقطها ولا يستطيع إسقاطها، لأن موازين القوى لم تعد تسمح له بذلك. ولا يستطيع تعطيل عهد جوزاف عون. لأن الرئاسة تتحرك ضمن دعم عربي ودولي، ولأن الدولة بدأت تستعيد تدريجيًا مساحة القرار التي فقدتها طوال سنوات.
ويجد الرئيس نبيه بري نفسه أمام الحسابات نفسها. لا يستطيع أن يماشي “حزب الله” في كل شيء. يحتاج إلى حماية موقعه ويحتاج إلى إعادة إعمار الجنوب وإلى إدارة التفاوض، ويحتاج إلى الحفاظ على موقعه داخل الدولة. لذلك يصبح الفصل بين مصلحة “أمل” ومصلحة “حزب الله” أكثر وضوحًا كلما تبدلت موازين القوى.
ويملك “الحزب” السلاح، لكنه يفقد مفعوله السياسي. يملك كتلة نيابية، لكنه لا يملك الأكثرية. يملك جمهورًا، لكنه يواجه أسئلة داخل بيئته. يملك علاقة بإيران، لكنها تواجه حصارًا وضغطًا غير مسبوقين.
وهنا تقع المفارقة الكبرى، إذ لم يعد السؤال ماذا يستطيع “حزب الله” أن يفعل. صار السؤال ماذا يستطيع أن يمنع. يُحاصر في الجنوب وفي الحكومة ويُحاصر في الإقليم وفي شبكة تحالفاته. بقي السلاح وبقيت الأذرع. لكن المفعول السياسي يتراجع. وهذا هو وجه الهزيمة الأوضح: أن يحتفظ “الحزب” بكل أدوات القوة تقريبًا، ثم يكتشف أن القدرة على استخدامها لم تعد كما كانت.




