كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
تكشف حصيلة اللقاءات المكثّفة التي عقدها رئيس الحكومة نواف سلام، ومعه وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، ومن ثمّ في واشنطن، أن لبنان دخل مرحلة دقيقة في مقاربة ملفّه السياسي والأمني، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة إنتاج مسار عملي للحل. وقد شكّل لقاء سلام مع وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي ماركو روبيو محطة أساسية في هذا المسار، إذ تناول البحث، بصورة جدية، إمكانية التفاهم بين الحكومة اللبنانية والإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل من أجل وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من لبنان، في مقابل خطوات لبنانية عملية تؤكد قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها.
وفي صلب النقاش الأميركي ـ اللبناني، برز ملف حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، جنوب الليطاني وشماله، باعتباره شرطًا أساسيًا لتعزيز الموقف اللبناني في مواجهة إسرائيل. فواشنطن ترى أن هناك تقصيرًا في تنفيذ الحكومة قراراتها في هذا المجال، وأن الانتقال إلى مرحلة الضغط الفعلي على إسرائيل يحتاج إلى خطوات لبنانية واضحة على الأرض. وبذلك، باتت المعادلة مترابطة بين الانسحاب الإسرائيلي من جهة، واستكمال مسار حصر السلاح وترسيخ سلطة الدولة من جهة أخرى، بحيث تصبح قدرة لبنان على تنفيذ قراراته أحد عناصر قوته التفاوضية.
وتزداد صعوبة المرحلة مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي والانتخابات النصفية الأميركية، بما يجعل المفاوضات الفاعلة مرشحة للتأجيل إلى ما بعد هذه الاستحقاقات. إلا أن ذلك لا يعني أن لبنان أمام فترة انتظار، بل أمام فرصة لاستكمال الخطوات المطلوبة، وفي مقدمها حصر السلاح، بحيث يدخل المرحلة التفاوضية المقبلة بوقائع جديدة تعزز موقفه. كما أن الاستحقاق الانتخابي الأميركي لا يعني أن الوضع الداخلي في الولايات المتحدة يعطّل قرارات الإدارة في الشأن اللبناني، وإن كان يؤثر في توقيت بعض التحركات وحساباتها السياسية.
ويتصل هذا المسار مباشرة بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، حيث يبدو أن إنهاء مهمة “اليونيفيل” من دون إيجاد بديل فاعل كان خطأ كبيرًا لما سيتركه من فراغ أمني وسياسي. ولذلك، تركز البحث على صيغة بديلة تقوم على قوة متعددة الجنسية تحت علم الأمم المتحدة، إلى جانب قوة مراقبة وآليات تحقق، مع دعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطة الدولة. والمطلوب ألا يؤدي أي تعديل في طبيعة المهمة الدولية إلى تراجع مستوى الرقابة، بل إلى صيغة أكثر فاعلية تواكب المرحلة المقبلة وتدعم تنفيذ التفاهمات على الأرض.
ومن هنا تكتسب المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية أهمية خاصة، إذ إن الوصول إلى نتيجة يبقى مرتبطًا بوجود خطوات عملية على الأرض، لا الاقتصار على التفاهمات السياسية. فالمطلوب أن يثبت لبنان أنه سيد قراراته وقادر على تنفيذها، لأن استعادة القرار الوطني هي المدخل الحقيقي إلى الحل، من دون انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات بين واشنطن وطهران أو ربط المسار اللبناني بالكامل بالتسويات الإقليمية.
وفي موازاة المسار الأميركي، كان لقاء سلام مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف جيدًا وإيجابيًا، وتناول عددًا من الملفات المشتركة والتطورات اللبنانية والإقليمية. وطرح الجانب الروسي موضوع إعادة الرحلات الجوية المباشرة بين موسكو وبيروت، فيما وعد سلام بالعمل على معالجة الموضوع، بما يعكس توجهًا نحو تنشيط العلاقات الثنائية. كما أكد لافروف دعم بلاده للتمديد لليونيفيل أو اعتماد الصيغة التي يراها لبنان مناسبة، بما يعكس استمرار الاهتمام الروسي باستقرار الجنوب وكل لبنان.
والأهم أن اللقاء أفضى إلى الاتفاق على تلبية وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي الدعوة الرسمية لزيارة روسيا، وتحديد موعدها في 12 تشرين الأول الحالي، بما يفتح المجال أمام بحث أوسع في العلاقات اللبنانية ـ الروسية والملفات المشتركة.
وبين واشنطن وموسكو، تبدو جولة سلام قد أرست مسارين متوازيين؛ الأول يرتبط بالانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح وترسيخ سلطة الدولة، والثاني بتوفير دعم دولي للبنان والحفاظ على الاستقرار وتعزيز علاقاته الخارجية. ويبقى الاختبار الأساسي في قدرة الدولة على ترجمة قراراتها إلى وقائع، لأن قوة لبنان التفاوضية لن تتحدد بما يحصل عليه من وعود، بل بقدرته على تثبيت سيادته على أرضه.




