كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:
يدخل الجنوب اللبناني مرحلة بالغة الدقة، مع اقتراب انتهاء مهمة “اليونيفيل”، في ظل استحقاقات أمنية وسياسية تُعدّ، بلا منازع، الأصعب منذ عقود، ومخاوف متزايدة من فراغ أممي يضع الدولة اللبنانية وجيشها أمام تحديات غير مسبوقة.
وبموجب القرار 2790، تنتهي العمليات الميدانية لـ”اليونيفيل” في 31 كانون الأول 2026، وتتوقف عن تسيير الدوريات وتنفيذ المهام العملياتية، وتعود وحداتها إلى ثكناتها ومقرّاتها الرسمية. ومن بعدها، تبدأ مرحلة الانسحاب التدريجي والآمن للجنود والمعدّات والآليات اللوجستية، بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، على أن تستغرق هذه العملية ما بين أربعة وستة أشهر.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه الدولة اللبنانية. فغياب “اليونيفيل” من دون إيجاد آلية بديلة، يعني فقدان “العيون الأممية” التي كانت ترصد التحركات العسكرية وتوثّق الانتهاكات وتشكّل، ولو بحدود إمكاناتها، مظلة دولية يتحرّك الجيش اللبناني تحتها. وبغيابها ستتمتع إسرائيل بهامش أوسع من الحركة الميدانية.
ولا تنفصل هذه المخاوف عن مسألة أخرى لا تقلّ خطورة، تتمثّل في سعي إسرائيل إلى فرض تنسيق ميداني مباشر مع الجيش اللبناني، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية، خشية أن يتحوّل هذا التنسيق إلى واقع جديد يُفرض عليها تحت ضغط موازين القوى. فلبنان لا يستطيع مجاراة التفوّق الإسرائيلي منفردًا، من دون رعاية أممية موجودة على أرض الجنوب، تؤمّن الحدّ الأدنى من التوازن والضمانات. فخلال اجتماعات الناقورة (التي توقفت)، على سبيل المثال، كان لبنان محاطًا بدول صديقة.
وفي هذا السياق، لا بدّ من استعادة شريط الأحداث لوضع المعطيات في نصابها الصحيح. ففي المرحلة الأولى من خطة “درع الوطن” لحصر السلاح، أنجز الجيش اللبناني أهدافه الأساسية جنوب الليطاني قبل تجدّد الحرب في 2 آذار، وأظهر مستوى متقدّمًا من الاحترافية.
وتؤكّد حجم هذه الإنجازات الأرقام الواردة في تقرير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أشار إلى إقفال 235 منشأة تحت الأرض، وضبط 579 منصة إطلاق صواريخ، ومصادرة نحو 3.85 ملايين قطعة من الأسلحة والذخائر والمعدّات ذات الصلة، خلال الفترة الممتدة من كانون الأول 2024 إلى شباط 2026. وفي التقرير نفسه، وردت إشادة قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأميرال براد كوبر، بالجيش اللبناني. ولا يأتي هذا التنويه، الصادر عن أعلى قيادة عسكرية أميركية معنية بالمنطقة، من باب “الغزل العسكري” أو “المجاملة على الطريقة اللبنانية”، بل تكتسب أهميتها من ارتباطها بإنجاز ميداني محدّد وقابل للتحقق.
غير أن هذه المسيرة اصطدمت بالتطورات الإقليمية التي أعقبت اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، واندلاع حرب الإسناد الثانية في 2 آذار 2026، حين عاد “حزب الله” إلى فتح جبهة الجنوب، ما حال دون استكمال الجيش مهمته وفق المسار الذي كان قد بدأه.
واستكمالا لاستعراض مسار الأحداث، يجدر التوقف عند نقطة مهمة، تتمثّل في أن معظم عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات التي نفّذها “حزب الله” بعد 2 آذار، وما استتبعها من ردود إسرائيلية قبل اتّساع رقعة المواجهة، تركزت في مناطق تقع خارج النطاق الذي كان الجيش اللبناني قد استكمل تمشيطه و”تنظيفه” في المرحلة الأولى من خطته.
ومن هنا، وانطلاقًا من قراءة الواقعية للمعطيات العسكرية، التي غالبًا ما يميل الرأي العام إلى تجاهلها أو عدم أخذها في الحسبان، على عكس الواقعية السياسية التي يُبدي استعدادًا أكبر لتقبّلها، لا يجوز تحميل الجيش اللبناني مسؤولية إنجاز مهمة حصر السلاح وفق الوتيرة التي تطلبها إسرائيل، أو فرض جداول زمنية عليه لا تراعي الظروف العسكرية والأمنية والسياسية والبيئة التي يعمل في ظلّها. فالجيش مؤسسة مسؤولة عن تنفيذ قرارات السلطة الشرعية، وفق تقديرات عملياتية تراعي الإمكانات المتاحة ومقتضيات الأمن الوطني.
في المقابل، لا يمكن أن تتحوّل صعوبة المهمة إلى ذريعة لاستمرار السلاح خارج سلطة الدولة. فإسرائيل تضغط باتجاه تسريع عملية حصر السلاح، فيما يرفض “حزب الله” أساسًا الالتزام بأي مهلة لتسليم سلاحه. وبين توقيت تريد إسرائيل فرضه، وتوقيت يرفض “الحزب” الاعتراف به، لا يستطيع الجيش اللبناني ولا يجوز الرضوخ للضغط الإسرائيلي من جهة، ولا يمكنه في الوقت نفسه القبول بأن يصبح رفض “الحزب” عاملا يعطّل تنفيذ قرارات الدولة. لذلك، فإن تحديد الآليات والمراحل التنفيذية يجب أن يبقى وفق تقدير القيادة العسكرية، في إطار قرارات السلطة السياسية، بعيدًا من محاولات فرض إيقاع خارجي أو تكريس أمر واقع داخلي.
في الخلاصة، يجد لبنان نفسه أمام استحقاقين متلازمين: استكمال حصر السلاح بيد الدولة، ومنع تحوّل الوجود العسكري الإسرائيلي إلى أمر واقع دائم. وفي مواجهة هذين التحدّيين، تبرز ضرورة الحفاظ على مظلة دولية تواكب الجيش اللبناني، وتوفّر آلية موثوقة لمراقبة الحدود وتوثيق الخروقات. وفي هذا الإطار، تشير معلومات متوافرة إلى أن واشنطن، التي تعتبر الجيشين اللبناني والإسرائيلي حليفين لها، لا تريد السماح باندلاع أي توتر أو تصعيد أو مواجهة بينهما. ومن هذا المنطلق، تسعى إلى إيجاد مخرج يُبقي الجنوب تحت رعاية دولية تحظى بقبول الأطراف المعنية، وتؤمّن الحدّ المطلوب من الاستقرار والضمانات، ريثما تنضج الظروف المؤاتية للتوصّل إلى حلول نهائية.




