كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
يواصل “حزب الله” رفع سقف مواقفه السياسية والأمنية، رغم النصائح التي وصلته من أكثر من جهة، وفي مقدمتها دولة عربية، والتي دعت إلى التهدئة والإسراع في إطلاق حوار جدّي ومنتج، وتحييد لبنان عن أي حرب يجري العمل على منع اندلاعها في المنطقة. غير أن المؤشرات الصادرة عن “الحزب”، ولا سيما في ضوء قضية شاحنة المتفجرات واحتمال إحالتها إلى المجلس العدلي، توحي بأن “الحزب” يتجه إلى مقاربة تصادمية مع أي إجراء رسمي قد يطال مراكزه أو نشاطه الأمني والعسكري، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول حدود المواجهة بينه وبين مؤسسات الدولة.
فالرسالة التي وصلت إلى الجهات الرسمية المعنية، وفق المعطيات المتداولة، تحمل مضمونًا بالغ السلبية، ومفاده أن “الحزب سيتعامل مع أي مداهمة لمراكزه باعتبارها اعتداء، ومع أي قوة أمنية أو عسكرية تنفّذ هذه المداهمة باعتبارها قوة معادية”. وهذه المقاربة، إذا تأكّد اعتمادها، لا تقتصر تداعياتها على ملف شاحنة المتفجرات، بل تضع العلاقة بين “الحزب” والمؤسسات العسكرية والأمنية أمام اختبار غير مسبوق، وتطرح سؤالا أساسيًا مفاده: ماذا سيقول “الحزب” للبنانيين إذا وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجيش اللبناني والقوى الأمنية التي يُفترض أنها تحمي جميع المواطنين، بعيدًا من الانتماءات السياسية والطائفية؟
المسألة هنا تتجاوز الخلاف على شحنة متفجرات أو وجهة استخدامها، لتلامس جوهر القرار السيادي المتعلّق بحصرية السلاح. فالدولة، وفق التوجّه الذي أقرّته مؤسساتها، لا تستطيع التعامل مع السلاح خارج إطارها باعتباره استثناءً دائمًا، كما أن أي سلاح يتمّ ضبطه، أيًا كان نوعه أو الجهة التي تنقله، يُفترض أن يخضع للإجراءات القانونية، بما يشمل مصادرته وتوقيف ناقليه وإحالتهم إلى القضاء المختص. ومن هذه الزاوية، فإن تحويل الإجراءات القضائية والأمنية إلى مواجهة سياسية يهدّد بتعطيل مبدأ المساواة أمام القانون، ويعيد إنتاج معادلة ازدواجية السلطة التي يسعى لبنان إلى تجاوزها.
أما التذرّع بأن المتفجرات قد تكون مخصّصة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فيصطدم بواقع سياسي جديد يتمثّل في قرار مجلس الوزراء الصادر في الثاني من آذار 2026، والمسار التفاوضي الذي اختاره لبنان بقرار سيادي. وبحسب المقاربة المؤيدة لهذا المسار، فإن التفاوض وفّر إطارًا سياسيًا ودبلوماسيًا حال دون توسّع التقدّم الإسرائيلي باتجاه احتلال كامل الجنوب، وصولا إلى مناطق جزين وصيدا والأولي. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد محصورًا في مشروعية مواجهة الاحتلال، بل بات يتعلّق بالوسيلة والجهة التي تملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم، وبمدى انسجام أي تحرّك عسكري منفرد مع القرار الوطني الرسمي.
لا خلاف بين اللبنانيين على رفض الاحتلال الإسرائيلي والتمسّك بحق البلاد في استعادة أرضها والدفاع عن سيادتها. لكن الخلاف الحقيقي يتمحور حول طبيعة المقاومة، ومرجعيتها، والأجندة التي تتحرّك وفقها، وما إذا كان قرار المواجهة يخضع للإرادة الوطنية الجامعة أم لحسابات تنظيمية وسياسية خاصة تُملى من الخارج الإيراني. فوجود الاحتلال لا يمنح تلقائيًا أي طرف حق تجاوز مؤسسات الدولة، خصوصًا أن لبنان لا يزال منخرطًا في مسار تفاوضي، وأن الحكم على نتائج هذا المسار يجب أن يستند إلى ما يحقّقه فعليًا من حماية للأرض واستعادة للحقوق.
وفي حال وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فإن لكل حادث حديثًا، لكن على قاعدة قرار وطني جامع، لا على أساس فرض وقائع ميدانية أو جرّ البلاد إلى مواجهة لا يملك اللبنانيون قرارها. فاستعادة شرعية السلاح خارج المؤسسات الرسمية لم تعد مسألة تحظى بالإجماع الذي كان “الحزب” يستند إلى شيء منه في مراحل سابقة، ولا سيما بعد الانتقادات التي طالت أداءه في ردع إسرائيل ومنع الاعتداءات والتوغّلات. وهذا يفرض مراجعة عميقة لمعادلة الأمن والدفاع، بعيدًا من الشعارات التي لم تعد تقنع اللبنانيين بجدوى استمرار الوضع القائم.
فلبنان يقف أمام مفترق بالغ الدقة، إما تثبيت منطق الدولة والمؤسسات والقانون، وإما استمرار التنازع على القرار الأمني والعسكري بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الداخلي. فاللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم، أنهكتهم الحروب والأزمات، ولم يعد مطلبهم الأساسي امتلاك مزيد من السلاح أو خوض مواجهات جديدة، بل العيش بأمان وكرامة داخل دولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، وبناء اقتصادها واستعادة مؤسساتها. وأيّ أحد لا يقبل بأن يكون لبنان وطنًا تحكمه إرادة أبنائه ومؤسساته، لا أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز قدرته على الاحتمال؟




