كتب المحامي ميشال فلاّح في “نداء الوطن”:
ليس انهيار الإدارة العامّة في لبنان مجرّد نتيجة للأزمات الماليّة والسياسيّة، ولا هو وليد الصدفة أو سوء الإدارة وحدهما. إنّه، في جانب أساسيّ منه، حصيلة عقودٍ من تعطيل الرقابة، وتهميش المحاسبة، وتطويع المؤسّسات التي أُنشئت لحماية الدولة من الفساد والانحراف وسوء استعمال السلطة.
ففي لبنان أربعة أجهزة وهيئات رئيسيّة تؤدّي أدوارًا محوريّة في الرقابة على الإدارة العامّة: التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة، مجلس الخدمة المدنيّة، والهيئة العليا للتأديب. تختلف طبيعة كلّ منها وصلاحيّاتها، لكنّها تلتقي عند غاية واحدة: حماية الإدارة، وصون المال العام، وضمان احترام القانون.
والسؤال الذي لا يجوز التهرّب منه، لو مارست هذه الأجهزة صلاحيّاتها كاملة، باستقلاليّة وفاعليّة، ولو احترمت السلطات السياسيّة والإداريّة نتائج أعمالها، هل كان لبنان ليبلغ هذا الدرْك من الانحلال الإداري والترهّل المؤسّسي؟
التفتيش المركزي: أين التفتيش من كلّ هذا الخراب؟
أُنشئ التفتيش المركزي بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 115/1959، ليكون أداة أساسيّة لمراقبة الإدارات والمؤسّسات الخاضعة لصلاحيّاته، وكشف المخالفات والتحقيق فيها، واتخاذ التدابير التي يجيزها القانون أو اقتراح ما يلزم لمعالجتها.
لكنّ السؤال ليس عمّا يمنحه القانون من صلاحيّات، بل عمّا تحقّق فعليًّا من نتائج. أين كانت الرقابة عندما تحوّلت إدارات إلى إقطاعيّات وظيفيّة؟ وعندما استشرى التغاضي عن المخالفات، وتراجعت الإنتاجيّة، وأصبح الالتزام بالقانون استثناءً لا قاعدة؟
لا يكفي إعداد التقارير وإيداعها لدى المراجع المختصّة. فالرقابة التي لا تُتابَع نتائجها تفقد جانبًا كبيرًا من وظيفتها الردعيّة. وإذا كانت السلطة السياسيّة تعرقل تنفيذ التوصيات والقرارات، فمن واجب الجهات الرقابيّة كشف هذا التعطيل وتوثيقه، لا الاكتفاء بتسجيله في ملفّات مغلقة.
ديوان المحاسبة: من يحرس المال العام؟
يُفترض أن يكون ديوان المحاسبة، بوصفه هيئة قضائيّة ماليّة، خطَّ الدفاع الأساسي عن شرعيّة الإنفاق العام وانتظام الحسابات، من خلال رقابته المسبقة واللاحقة وصلاحيّاته القضائيّة المحدّدة قانونًا. لكن كيف يمكن تفسير حجم الاختلال المالي والإداري الذي شهدته الدولة، في ظلّ وجود مؤسسة أُنيط بها التدقيق في استعمال المال العام؟
صحيح أنّ الديوان لا يضع السياسات الماليّة، ولا يتحمّل وحده مسؤوليّة الهدر والفساد، وأنّ نطاق رقابته محدّد بالقانون، لكنّ ذلك لا يمنع مساءلة فاعليّة أدائه، ومدى متابعة الملاحظات والقرارات الصادرة عنه، وتحديد الجهات التي امتنعت عن تنفيذها. فالرقابة الماليّة لا تُقاس بعدد صفحات التقارير، بل بقدرتها على كشف المخالفات وترتيب النتائج القانونيّة عليها.
مجلس الخدمة المدنيّة: كيف انهار مبدأ الكفاءة؟
أُنشئ مجلس الخدمة المدنيّة ليكون إحدى الضمانات الأساسيّة لحماية الوظيفة العامّة من المحسوبيّات والتدخّلات السياسيّة، وتكريس معايير الجدارة والكفاءة والمساواة في التوظيف. لكن كيف اتّسعت مساحات التوظيف والتعاقد خارج الأصول؟ وكيف تغلّبت الاعتبارات السياسيّة والطائفيّة على معايير الكفاءة؟ وكيف تحوّلت الوظيفة العامّة، في حالات كثيرة، من خدمة للدولة إلى مكافأة على الولاء؟
لا يجوز تحميل المجلس مسؤوليّة قرارات اتُّخذت خارج نطاق صلاحيّاته، لكن من حقّ اللبنانيّين معرفة حجم المخالفات التي رصدها، والإجراءات التي اتّخذها، والمراجع التي تجاهلت ملاحظاته. فإذا كانت قراراته تُهمَل، فالمسؤوليّة تقع على من يتجاوز القانون. أمّا إذا كانت صلاحيّاته لا تُمارَس بالفاعليّة المطلوبة، فالمساءلة يجب أن تطال أداءه أيضًا.
الهيئة العليا للتأديب: أين العقاب الإداري؟
لا تستقيم إدارة عامّة من دون نظام تأديبي فعّال، يضمن مساءلة الموظّف الذي يُخلّ بواجباته، ويحمي الموظّف النزيه من التعسّف. وهنا يأتي دور الهيئة العليا للتأديب، ضمن اختصاصها القانوني، في النظر في المخالفات المحالة إليها واتخاذ القرارات التأديبيّة المناسبة. لكن ماذا تعني المساءلة إذا تأخّرت سنوات؟ وما قيمة العقوبة إذا فقدت أثرها الردعي؟ وكيف تستعيد الإدارة هيبتها إذا شعر المخالف بأنّ الحماية السياسيّة أقوى من القانون؟
إنّ الإفلات من المحاسبة لا يشجّع على المخالفة فحسب، بل يعاقب الموظّف المستقيم بصورة غير مباشرة، ويُحوّل النزاهة إلى عبء في بيئة تتسامح مع التجاوزات.
من تشخيص الانهيار إلى فرض المحاسبة
لم يعد مقبولا الاكتفاء بتشخيص العجز الرقابي. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإجراءات قانونيّة واضحة، تُخرج الرقابة من دائرة التقارير إلى دائرة النتائج والمحاسبة.
أوّلا، فرض الشفافيّة، أي نشر تقارير دوريّة عن المخالفات المكتشفة، والإحالات القضائيّة والتأديبيّة، والقرارات الصادرة ونِسَب تنفيذها، مع احترام سريّة التحقيقات وحماية المعطيات الشخصيّة، وتفعيل أحكام قانون الحقّ في الوصول إلى المعلومات.
ثانيًا، تحديد مهل إلزاميّة، لناحية تعديل النصوص عند الاقتضاء لفرض مهل محدّدة على الإدارات للردّ على ملاحظات الأجهزة الرقابيّة، وتنفيذ القرارات المُلزِمة، وتبرير عدم الأخذ بالتوصيات، مع ترتيب المسؤوليّة القانونيّة عن الامتناع غير المشروع.
ثالثًا، تفعيل الإحالات القضائيّة،عبر إحالة شبهات الجرائم الماليّة والإداريّة إلى القضاء المختصّ وفق الأصول، وإنشاء آليّة متابعة تضمن عدم ضياع الملفّات بين الإدارات، من دون المساس باستقلال القضاء أو قرينة البراءة.
رابعًا، تحصين استقلال الأجهزة الرقابيّة، كمراجعة آليّات التعيين والترقية والتأديب، وتوفير الموارد البشريّة والماليّة، وحماية القائمين بالرقابة من الضغوط السياسيّة، مع مراعاة الوضع القانوني الخاصّ لكلّ جهاز.
خامسًا، إقفال منافذ التوظيف المخالف،ل منع الالتفاف على مجلس الخدمة المدنيّة عبر صيغ التعاقد والتوظيف غير المشروعة، وإخضاع التعيينات الخاضعة لاختصاصه لمعايير الكفاءة والشفافيّة، ومساءلة المسؤولين عن القرارات المخالفة.
سادسًا، تسريع المحاسبة التأديبيّة، عبر استكمال ملاكات الأجهزة المختصّة، وتفعيل الإحالات، ومراجعة الإجراءات التي تسمح بالمماطلة، مع ضمان حقوق الدفاع وعدم تحويل التأخير إلى وسيلة للإفلات من العقاب.
سابعًا، إخضاع الأجهزة الرقابيّة نفسها للمساءلة، فلا يجوز أن يكون من يراقب الإدارة بمنأى عن تقييم أدائه. والمطلوب آليّات قانونيّة لتحديد مسؤوليّة التقصير الجسيم أو الامتناع غير المشروع عن ممارسة الصلاحيّات، مع احترام استقلال كلّ جهاز وضماناته.
ولا تتطلّب هذه الإجراءات جميعها تشريعات جديدة، فبعضها يستوجب تطبيق القوانين القائمة، وبعضها يحتاج إلى قرارات تنظيميّة وتشكيلات واعتمادات، فيما يستدعي بعضها الآخر تعديلات تشريعيّة محدّدة.
المسؤولية لا تسقط بالتعطيل
ليس المقصود إصدار حكم جماعي على هذه الأجهزة أو العاملين فيها، ففيها قضاة وموظّفون أدّوا واجباتهم رغم الضغوط والعراقيل. لكنّ احترام المؤسّسات لا يعني إعفاءها من المساءلة، كما أنّ استقلالها لا يعني تحصين أدائها من النقد.
وإذا كانت السلطة السياسيّة تتحمّل المسؤوليّة الأولى عن إضعاف المؤسّسات والتدخّل في أعمالها، فإنّ ذلك لا يعفي أيّ مرجع رقابي من واجب ممارسة صلاحيّاته، وتوثيق العوائق التي تعترضه، وكشف الجهات المسؤولة عنها ضمن الأصول القانونيّة.
فلا يجوز أن تتحوّل أجهزة الرقابة إلى شاهد دائم على انهيار الدولة، بدل أن تكون إحدى وسائل منعه.
ولعلّ المفارقة الأكثر إيلامًا أنّ لبنان لا يحتاج بالضرورة إلى إنشاء جهاز رقابي خامس، بل إلى تمكين أجهزته القائمة من أداء وظائفها، وإلزام السلطات الخاضعة لرقابتها باحترام القانون. فالدولة التي تملك أجهزة لكشف المخالفات، ثم تسمح بتعطيل قراراتها أو تجاهل نتائجها، لا تستطيع الادّعاء بأنّ الفساد يفاجئها.
والسؤال الجوهري، أين كانت أجهزة الرقابة عندما انهارت الإدارة؟ بل أيضًا، من عطّلها، ومن حما المخالفين، ومن استفاد من تعطيلها، ومن سيُحاسب الجميع؟
فحين تتعطّل الرقابة، لا يسقط القانون وحده، بل تسقط معه هيبة الدولة. والأسوأ من دولة بلا رقابة، دولة تملك أجهزة رقابيّة لا تُحترم نتائج أعمالها، ثم تتظاهر بالدهشة أمام الخراب الذي كان يُفترض بها منعه.




