يحاول “حزب الله” دائمًا الإيحاء بأنه لا يزال صاحب الكلمة الفصل رغم كل ما نزل به، بدءًا من مواقف قادته، وصولًا إلى إدارته حملات إعلامية وتسريبات، تتكامل في ما بينها بشكل منظم لترسيخ هذا المعنى في العقل الجمعي. ويستفيد في هذا الإطار من سياسة الاحتواء المفرط التي تتبعها الدولة إزاءه.
حين بدأ الحديث عن المبادرة المصرية، يمكن الملاحظة أن التركيز انصب ليس على موقف الدولة منها، بل على موقف “الحزب” وماهية اعتراضاته. تطور الأمر في الأسابيع الأخيرة مع بث معلومات حول الجولة الخارجية التي أجراها النائب حسن فضل الله إلى فرنسا، واجتماعاته بمسؤولين في “الإليزيه”، ومصر في الفترة عينها التي كان فيها الرئيس نبيه بري هناك، بالإضافة إلى قطر، والتي سُوّق على أنها قناة للتواصل مع السعودية. ليخلص “الحزب” إلى أنه نجح عبر هذه الجولة والاتصالات والمباحثات التي تجرى مع الموفدين الخارجيين، في انتزاع مهلة سماح جديدة تولت الدولة تخريجها بإطار رسمي عبر بيان الجيش وقرار مجلس الوزراء بتأجيل انتقال عملية سحب السلاح إلى شمال الليطاني حتى آذار المقبل. بيد أن الواقع مغاير تمامًا.
فالدولة هي من أفسحت المجال أمام أطراف خارجية لممارسة ضغوط مباشرة على “الحزب” لإقناعه بإصدار موقف علني بالموافقة على تسليم السلاح لأن اللعبة انتهت “Game Over”. وبالفعل تعهد بتقديم هذا الموقف خلال مهلة معينة. وعلى هذا الأساس بنت الدولة مقاربتها عبر صياغة غير حاسمة وخالية من المواعيد. غير أن “الحزب” لم يفِ بتعهده كعادته. وذريعته هذه المرة ترنح نظام الملالي على إيقاع الاحتجاجات الشعبية وتلويح ترامب بضربة عسكرية.
وعليه، لم يكن توصيف رئيس الجمهورية لـ “الحزب” خلال مقابلته على “تلفزيون لبنان” بـ “الطرف الآخر” تفصيلًا، بل كان موقفًا يفض الالتباس، ويحسم من خلاله بكل ما يمثل مشروعية ودستورية تموضع الدولة، وأنها هي من تفاوض، وهي صاحبة القرار، وتاليًا خروجها من سياسة الاحتواء التي كانت تجعلها أقرب إلى وسيط بين الأطراف الخارجية و “الحزب”، واضعًا الأخير أمام حتمية الاختيار: إما تحت كنف الدولة، وإما ضدها مع دعوته إلى التعقل قبل الانتقاء.
لذلك أطلق “الحزب” حملة شديدة ضد رئيس الجمهورية، وراح بعض قادته يلوّح من جديد بالحرب الأهلية لأنه فهم أبعاد الرسالة. وهنا لا بد من توضيح بعض المفاهيم. الحرب الأهلية تندلع بين جماعات داخل بلد واحد، فيما منع الدولة من تنفيذ قراراتها هو تمرد على الشرعية. عمومًا، فإن موقف رئيس الجمهورية بحسم تموضع الدولة من السلاح وحامله أفضى إلى خطوة خارجية مقابلة ضمن قاعدة “خطوة – خطوة”، تتجسد باجتماع “الخماسية” في بعبدا، وبمستوى التمثيل السعودي خاصة.
فظهور الأمير يزيد للمرة الأولى بشكل علني أمام الكاميرات، وهو الحريص على الابتعاد عن الأضواء، يعبر عن رسالة دعم سعودي حاسمة لمواقف الرئيس جوزاف عون. بالإضافة إلى مستوى التمثيل الفرنسي المرتبط بالتنسيق الدائم بين الرياض وباريس في الملف اللبناني، وما خلص إليه الاجتماع من تحديد موعد لمؤتمر الجيش، بعد تأجيله غير مرة رغم مطالبات رئيس الجمهورية المكثفة بتأمين احتياجات المؤسسة العسكرية، والذي لم يكن ليحصل لولا دعم السعودية بالذات.
ومع ذلك، لا تزال أميركا تبدي تحفظها، حيث لم يصدر عنها موقف واضح إزاء الخطوات اللبنانية منذ مقررات جلسة مجلس الوزراء في مسألة خطة الجيش. كما أن تمثيلها في اجتماع “الخماسية” كان عبر سفيرها في بيروت، وليس عبر أي من موفديها، بما يعكس استمرار سياسة الضغوط المشددة على لبنان لتحويل مواقف الدولة إلى خطوات جدية على أرض الواقع. وبالتالي بقاء احتمالية منح إسرائيل الضوء الأخضر لشن حرب على “حزب الله”.




