أخبار عاجلة

لبنان تحت الضغط: حرب بلا أفق وحلول مؤجّلة

لبنان تحت الضغط: حرب بلا أفق وحلول مؤجّلة
لبنان تحت الضغط: حرب بلا أفق وحلول مؤجّلة

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

تتراكم في حسابات السلطات اللبنانية جملة تطورات ميدانية وسياسية توحي بأن الحرب الدائرة تجاوزت كونها مواجهة حدودية أو رسائل نارية متبادلة، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع رهانات إقليمية ودولية مفتوحة.

وفي طليعة ما يشغل القرار الرسمي ثلاثة مسارات متوازية تتقدم بوتيرة سريعة؛ أولها انتقال إسرائيل إلى سياسة تقسيم الجغرافيا اللبنانية عمليًا عبر تدمير الجسور وقطع خطوط التواصل بين المناطق وفرض إخلاءات قسرية للسكان ضمن ما يشبه “زنار نار” متدرّجًا، بما يؤدي إلى تفكيك الوحدة الميدانية والاجتماعية للمناطق المستهدفة. وثانيها توسيع رقعة الاعتداءات لتشمل مناطق لم تكن في دائرة القصف سابقـًا، وفي مقدّمها بيروت، بما يحمله ذلك من رسائل ضغط سياسية ونفسية تتجاوز البعد العسكري الصرف. أما ثالث هذه المسارات فيتمثل في التصعيد الكلامي الصادر عن كبار المسؤولين الإسرائيليين والذي يهدد بضرب البنية التحتية والأهداف المدنية، في مؤشر إلى محاولة رفع سقف الردع عبر التلويح بكلفة وطنية شاملة للحرب.

ورغم هذا المشهد الضاغط، لا يزال لبنان الرسمي يستند إلى ما سبق أن تبلّغه من الجانب الأميركي حول نجاحه في إقناع إسرائيل بتحييد المنشآت ذات الطابع المدني، وهو رهان يتعرض اليوم لاختبار قاسٍ مع تزايد الضربات واتساع نطاقها. فالحرب التي باتت تتخذ منحى غير قابل للتنبؤ، يعرف الجميع كيف بدأت لكن لا أحد يستطيع الجزم بمسارات نهايتها أو حدود ارتداداتها. والأخطر في نظر دوائر رسمية أن إسرائيل انتقلت تدريجيًا من مرحلة الإنذارات المسبقة إلى الاستهدافات المحددة، وصولاً إلى نمط ضربات يُنظر إليها على أنها عشوائية أو شبه عشوائية من دون إنذارات واضحة، ما يعكس تحوّلاً في قواعد الاشتباك وفي منطق إدارة العمليات.

هذا التحول يتقاطع مع حقيقة أن ساحة المواجهة لم تعد محصورة بجبهة واحدة، بل باتت جزءًا من مسرح حرب أوسع يضم أكثر من اثنتي عشرة دولة بين مستهدفة ومشاركة بشكل مباشر أو غير مباشر. ففي حين يشكل الخليج أحد مسارح الاستهداف الأساسية من خلال الاعتداءات الايرانية، يحتفظ لبنان بمسرحه “الصغير” من حيث الجغرافيا، لكنه كبير من حيث الرمزية بالنسبة لإيران التي تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن لديها أوراق نفوذ فاعلة خارج حدودها، من العراق إلى اليمن وصولاً إلى لبنان. وفي هذا السياق، ترى أوساط متابعة أن هناك تماهيًا كاملًا إلى حدّ الذوبان بين توجهات طهران وخيارات “حزب الله” الميدانية، بما يربط الساحة اللبنانية عضويًا بمسارات الصراع الإقليمي.

في المقابل، تبدو مصلحة لبنان الاستراتيجية، وفق قراءة رسمية وسياسية واسعة، قائمة على النأي عن أي حرب تتجاوز قدراته، في ظل واقع اقتصادي ومالي ومؤسساتي منهك. فالدولة التي تكافح للحفاظ على الحد الأدنى من تماسكها لا تملك ترف الانخراط في مواجهة طويلة أو شاملة، ما يدفع بعض أركان القرار إلى القول إن الحرب يجب ألا تكون أصلاً جزءًا من القاموس اللبناني. غير أن ترجمة هذا الموقف تصطدم بتعقيدات داخلية أبرزها استحالة الاصطدام المباشر مع “حزب الله”، ما دفع إلى البحث عن مخارج سياسية أبرزها طرح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

هذا المسار كان يُفترض أن يشهد انطلاقته العملية عبر اجتماع أولي في قبرص قبل أكثر من أسبوع، إلا أن التعطيل الإسرائيلي حال دون انعقاده، في ظل شروط إضافية تطرحها واشنطن وتل أبيب تتعلق بضرورة وجود ممثل عن “الثنائي الشيعي” ضمن وفد التفاوض لضمان تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها. وهكذا يجد لبنان نفسه في موقع بالغ الدقة؛ لا هو ذاهب إلى مواجهة داخلية مع “حزب الله”، ولا هو قادر حتى الآن على إطلاق مسار تفاوضي فعلي مع إسرائيل، ما يبقيه في منطقة رمادية محفوفة بالمخاطر.

وفي موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على أن إسرائيل قد تكون بصدد محاولة إنشاء ما يشبه “خطًا أصفر” في جنوب لبنان على غرار ما فعلته في غزة، أي فرض وقائع ميدانية جديدة تقوم على مناطق عازلة أو نطاقات أمنية تُرسم بالنار والتدمير والتهجير. وإذا ما ثبت هذا التوجه، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة مختلفة من الصراع، عنوانها انتقال الحرب من إدارة الاشتباك إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي وعلى مستقبل التوازنات الإقليمية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مقتل جنديين إسرائيليين في معارك جنوب لبنان
التالى إسرائيل تبلغ واشنطن وباريس عدم ممانعتها دعم الجيش اللبناني