كتبت بتول يزبك في “المدن”:
التأمّل في الواقع اللبنانيّ الرّاهن يكاد يشبه محاولةً يتيمةً لسبر غور مشهدٍ شديد السّوداويّة والعبثيّة. فالبلاد عالقةٌ في ازدحام الإقليم المشتعل، ومنزوعةٌ من أيّ أولويةٍ دوليّةٍ جديّة، فيما تكبر الأسئلة الدّاهمة على إيقاع تقلّص هامش الإجابات. وفي ذروة هذا المشهد، يبدو أفق التفاوض بين لبنان وإسرائيل مسدودًا على نحوٍ غير مسبوق، فيما تتكثّف الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة على الحكومة اللبنانيّة تحت عنوانٍ واحد: “ابدأوا بنزع سلاح حزب الله، وبعدها يمكن الكلام على ترتيباتٍ أو تفاوض“.
أما المبادرة الفرنسيّة فانهارت سريعًا أمام التصلّب الإسرائيليّ، الذي ربط أيّ مسارٍ سياسيّ أو تفاوضيّ بقيام الدولة اللبنانيّة بخطواتٍ عمليّة لنزع سلاح “حزب الله”. ولم تنجح باريس في تعديل هذا الموقف، بل بدت أقرب إلى مجاراته، فيما كرّرت واشنطن بدورها مطالبة لبنان بالتحرّك من دون ممارسة ضغطٍ فعليّ على إسرائيل. وبذلك، بدا باب الوساطات موصدًا، فيما تواصل إسرائيل حربها من موقعٍ شبه مطلق.
السّؤال الأصعب: هل يستطيع الجيش فعلًا؟
وسط هذا الانسداد، يبرز السّؤال الأكثر حساسيّةً في الداخل اللبنانيّ، هل الجيش اللبنانيّ قادرٌ اليوم على سحب سلاح “حزب الله”، لوجستيًّا وأهليًّا وسياسيًّا؟ فالقضيّة لم تعد نظريّة، ولم تعد مجرّد مادّةٍ في سجالٍ سياديّ أو إعلامي. لقد تحوّلت إلى عنوان الضّغط الخارجيّ المباشر، وإلى شرطٍ معلنٍ في الخطاب الأميركيّ والإسرائيليّ، وإلى اختبارٍ داخليّ لقدرة الدّولة على استعادة ما تسمّيه شرعيّتها الحصريّة في احتكار القوّة.
والحال فإنّه وفي الخطاب السّياسيّ اللّبنانيّ، تتكرّر منذ سنوات عباراتٌ من قبيل “استعادة الدّولة” و”العودة إلى اتّفاقيّة الهدنة 1949″ و”الرجوع إلى اتّفاق الطائف”، وأحيانًا، استعادة الحديث عن “اتّفاق 17 أيّار”، وهذا ما تكثّف في الأيام الأخيرة. غير أنّ ما يجمع هذه العناوين كلّها ليس فقط استحضار محطّاتٍ سابقة من تاريخ لبنان، بل التعلّق الدائم بفكرة العودة إلى لحظةٍ كان يفترض أن تنتظم فيها الدّولة وتستعيد قرارها، قبل أن تنهار تلك المحاولات أو تجهض. لذلك، لا يبدو النّقاش حول سلاح “حزب الله” في جوهره نقاشًا أمنيًّا صرفًا، بقدر ما هو مساءلةٌ مباشرةٌ لمعنى الدّولة في لبنان، ولمدى قدرتها على تحويل قراراتها من نصوصٍ معلّقة إلى وقائع نافذة.
“القوّات”: الجيش قادرٌ والعقدة في القرار
في مقاربة “القوّات اللبنانيّة” للمسألة، لا يبدو النّقاش متّصلًا بقدرة الجيش اللبنانيّ بقدر ما يتّصل بإرادة الدّولة. فمصادر “القوّات” تؤكّد أنّ الجيش “قادر، بلا شك”، وأنَّ ما يجري لا يجوز اختزاله بذريعة العجز أو الخوف من التّعقيدات، بل يجب فهمه ضمن إطارٍ أوسع عنوانه غياب القرار السياسيّ التنفيذيّ المطلوب.
بحسب هذه القراءة، يتعمّد “حزب الله” الإساءة إلى الدّولة وإلى الجيش معًا، عبر تكريس صورةٍ تقول إنّ المؤسّسات الشّرعيّة إمّا غائبةٌ وإمّا عاجزة. وهذا، في رأي المصادر، ليس تفصيلًا في الحرب الدّائرة، بل جزءٌ من وظيفة السلاح نفسه؛ أي تثبيت أنَّ القرار الفعليّ ليس في يد المؤسّسات. من هنا، يصبح سحب السلاح، في نظر “القوّات”، مسألة حسمٍ سياسيّ قبل أن يكون مجرّد اختبارٍ عسكريّ.
وتستند المصادر في هذا الاستنتاج إلى معطياتٍ تعتبرها جديدة. فـ”حزب الله”، وفق توصيفها، لم يعد في وضعه السابق، بل بات محاصرًا ومضغوطًا جغرافيًّا وعسكريًّا، من جهة سوريا، ومن جهة إقفال الحدود، ومن جهة الضغط الإسرائيليّ اليوميّ. كما تربط هذا الواقع بسياقٍ إقليميّ أوسع، عنوانه المأزق الإيرانيّ نفسه، في ظلّ المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة، ورفض واشنطن، بحسب تقديرها، إنهاء القتال قبل تعديل موقع “حزب الله” في لبنان.
وتذهب المصادر إلى القول إنّ البيئة السّياسيّة الدّاخليّة باتت أكثر ملاءمةً لأيّ خطوةٍ من هذا النّوع، في ظلّ وجود رئيس جمهوريّة ورئيس حكومة وأكثريّةٍ وزاريّة، فضلًا عن مناخٍ سياسيّ لا يقتصر، في رأيها، على بيئةٍ طائفيّةٍ واحدة، بل يمتدّ إلى المسيحيّين والسّنّة والدّروز، وإلى جزءٍ من الشّيعة الذين لم يعودوا على انسجامٍ مع خيارات الحزب. لذلك، تعتبر أنّ الدّولة تملك حيثيّةً سياسيّةً كافية، لكنّها لم تنتقل بعد من مستوى القرار النّظريّ إلى مستوى التنفيذ الفعليّ.
وتشدّد هذه المصادر على أنّ الدّولة اتّخذت قراراتٍ بالفعل، لكنّها بقيت “حبرًا على ورق”. وبعد أسابيع من الحرب، وسقوط المبادرة الفرنسيّة، وتراجع الحراك الدبلوماسيّ الجديّ، ما زال التنفيذ غائبًا، لا على مستوى سحب السلاح ولا على مستوى وقف عمليّات “حزب الله”. ولهذا ترى “القوّات” أنّ المطلوب لم يعد تكرار المواقف، بل ترجمة القرارات بصورةٍ واقعيّةٍ وعمليّةٍ وفوريّة.
وفي مواجهة الهواجس من إمكان حصول صدامٍ داخليّ بين الجيش و”حزب الله”، تقلّل المصادر من شأن هذا الاحتمال، معتبرةً أنّ الحزب ليس في موقعٍ يسمح له بفتح جبهةٍ داخليّةٍ موازية، وهو المنخرط أصلًا في مواجهةٍ مفتوحة. ومن هذا المنطلق، ترى أنّ كلفة تحمّل الدّولة لمسؤوليّتها، مهما ارتفعت، تبقى أدنى من كلفة استمرار الحرب بما تحمله من استنزافٍ ودمارٍ وانهيارٍ إضافيّ.
“المشكلة ليست في السلاح وحده”
على الضفّة الأخرى، يقدّم النائب بلال عبدالله مقاربةً أكثر تحفّظًا وأشدّ تشاؤمًا. فهو لا ينفي خطورة ملفّ سلاح “حزب الله”، ولا يتجاهل الأسئلة المطروحة حول قدرة الجيش والدّولة، لكنّه يرفض التّعامل مع المسألة كأنّها سؤالٌ تقنيّ بسيط يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا. بالنسبة إليه، تكمن المشكلة المركزيّة في غياب الضمانات الخارجيّة، وفي أنّ لبنان يطالب بخطواتٍ كبرى من دون أن يحصل في المقابل على أيّ التزامٍ واضح يخفّف عنه الضّغط أو يفتح له نافذةً واقعيّةً للخروج من الحرب.
عبدالله يلفت إلى أنّ النّقاش حول قدرة الجيش على نزع سلاح “حزب الله” صار يطرح بإلحاحٍ متزايد، خصوصًا بعد الإشارات والقرارات التي أوحت بأنّ سلاح الحزب بات خارج إطار الشّرعيّة القانونيّة. لكنّه يلاحظ، في المقابل، أنّ شيئًا لم يظهر فعليًّا على الأرض، لا على مستوى سحب السلاح ولا على مستوى كبح العمليّات. ومن هنا، فإنّ السّؤال، بالنسبة إليه، لا يقتصر على القدرة اللوجستيّة أو الأهليّة، بل يطاول أيضًا الجدوى السياسيّة في ظلّ غياب أيّ ضماناتٍ أميركيّةٍ أو إسرائيليّة.
وفق قراءته، وضعت الدّولة اللبنانيّة خططًا متتالية واتّخذت قراراتٍ متعاقبة، لكنّها لم تحصل على شيءٍ في المقابل، لا خلال ذروة الحرب ولا بعدها. وهذا ما يجعل هامش الحركة شديد الضيق. فالحكومة، في رأيه، تقف في موقعٍ “لا تحسد عليه”، وقد حاولت البحث عن مخرجٍ سياسيّ، سواء عبر مبادرة رئيس الجمهوريّة أو عبر إبداء الاستعداد للتفاوض، لكنّ الحدّ الأدنى المطلوب؛ أي وقف إطلاق النّار، لم يتحقّق. ويعزو عبدالله ذلك إلى عاملين متوازيين، الإصرار الإسرائيليّ على مواصلة الضّغط ورفض أيّ تسويةٍ قبل تغيير الوقائع الميدانيّة، وعدم تقديم “حزب الله” أيّ إشارةٍ إيجابيّةٍ تساعد على فتح كوّةٍ سياسيّة.
ومن هذا المنطلق، يدعو عبدالله إلى البحث عن صيغةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ تدعم الدّولة اللبنانيّة وتخفّف من تداعيات الحرب، مشيرًا إلى حراكٍ سياسيّ يقوده الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ في اتّجاه بناء موقفٍ موحّد خلف الدّولة. لكنّه لا يخفي في الوقت نفسه أنّ هذه الجهود لم تفض إلى النتيجة المطلوبة، بسبب إصرار “حزب الله” على خوض الحرب وفق حساباتٍ يعتبرها “غير لبنانيّة”.
الأهمّ في كلام عبدالله أنّه يحذّر من الرّكون إلى أيَّة تصوّراتٍ حاسمة حول نهاية الحرب. فالتجارب السابقة، وخصوصًا تجربة العام 1982، تظهر، بحسب رأيه، أنّ الضمانات الدوليّة والمعلنات السياسيّة لا تمنع إسرائيل من الذهاب أبعد ممّا تقوله. من هنا، يصبح الرهان على السقوف المعلنة رهانًا هشًّا، ويغدو السيناريو الأسوأ جزءًا من الحسابات اللبنانيّة الإلزاميّة. إنّه، في جوهر موقفه، لا يقول إنّ نزع السلاح مستحيل، بل يقول إنّ طرحه اليوم من دون مظلّةٍ وضماناتٍ وحساباتٍ دقيقة، قد يضع الحكومة في مأزقٍ مفتوح من دون مخرج.
“لا قرار عسكريًّا منفصلًا عن السياسة”
النائبة بولا يعقوبيان تقترب من المسألة من زاويةٍ ثالثة، أكثر تركيبًا. إذ ترى أنّ الجيش اللبنانيّ “يستطيع، تدريجيًّا، أن يسير في هذا المسار”، شرط توافر دعمٍ داخليّ وخارجيّ في آنٍ واحد. وهذا الشّرط، في رأيها، هو جوهر القضيّة، لأنّ المؤسّسة العسكريّة تحتاج إلى إسنادٍ كبيرٍ في العناصر والمعدّات والتمويل، ولا يمكن تحميلها وحدها عبء ملفٍّ بني على مدى سنواتٍ طويلةٍ أمام أعين المجتمع الدوليّ والعالم كلّه.
يعقوبيان تعتبر أنّ الحديث عن إزالة هذا السلاح بصورةٍ فوريّة لا ينسجم مع الوقائع القائمة، لا سيّما أنّ الجيش نفسه تأثّر، خلال مراحل طويلة، بموازين القوى التي حكمت البلاد، بما فيها التّأثيرات السوريّة والإيرانيّة. لذلك، فإنّ ما يمكن الحديث عنه واقعيًّا، من وجهة نظرها، ليس عمليّة اقتلاعٍ خاطفة، بل “مسارًا تدريجيًّا تفاوضيًّا، مدعومًا سياسيًّا ودوليًّا“.
غير أنّ هذا الطرح يصطدم، وفق يعقوبيان، برفضٍ إسرائيليّ لأيّ تفاوض، وإصرارٍ على ربط أيّ مسارٍ سياسيّ ببدء الدّولة اللبنانيّة سحب سلاح “حزب الله”. وهي تكشف أنّها طرحت هذا الأمر مباشرةً مع رئيس الجمهوريّة خلال الحرب، واقترحت، في الحدّ الأدنى، أن يتوجّه الجيش إلى مخازن سلاح الحزب ويبدأ بمصادرته تنفيذًا لقرار الحكومة، بحيث تمتلك الدّولة ورقةً سياسيّةً تستخدمها للمطالبة بوقف الحرب.
لكنّ يعقوبيان، في الوقت نفسه، تحذّر من الزجّ بالمؤسّسة العسكريّة في مواجهةٍ غير محسوبة النتائج. فلبنان، في تقديرها، “في موقع الخاسر” أصلًا، وسط انقسامٍ داخليّ حادّ، وانهياراتٍ ماليّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّة، وحربٍ مدمّرة. وما تبقّى للبنانيّين فعليًّا هو الجيش، بوصفه “المؤسّسة الوحيدة التي ليست طائفيّةً ولا مذهبيّة”. لذلك، فإنّ أكبر كارثة، في رأيها، قد تكون في انتقال التصدّع إلى داخله أو في المساس بوحدته.
ومن هنا، تشدّد يعقوبيان على أنَّ تحميل الجيش وحده مسؤوليّة التنفيذ أمرٌ غير واقعيّ، لأنّ المطلوب ليس قرارًا عسكريًّا مجرّدًا، بل مظلّةٌ سياسيّة، ودعمٌ لوجستيّ، وتمويلٌ خارجيّ فعليّ، واحتسابٌ جديّ لكلفة أيّ صدامٍ داخليّ. وهي لا تخفي أيضًا اقتناعها بأنّ إسرائيل تستغلّ الحرب بما يتجاوز عنوانها المعلن، نحو التّدمير والتهجير وتفريغ الجنوب من سكّانه، ما يجعل أيّ مقاربةٍ لبنانيّةٍ لسحب السلاح محكومةً أيضًا بالخوف من أن تستخدم في سياقٍ إسرائيليّ أوسع، لا في سياق تثبيت الاستقرار فقط
..ما بعد الفشل الفرنسيّ
بعد سقوط المبادرة الفرنسيّة، وتراجع إمكانات الوساطة، واتّضاح أنّ واشنطن ليست في وارد ممارسة ضغطٍ فعليّ على إسرائيل، يبدو لبنان أمام لحظة حقيقةٍ قاسية. فإمّا أن تبقى الدّولة في موقع التلقّي والعجز، وإمّا أن تحاول إنتاج مقاربةٍ داخليّةٍ أكثر تماسكًا، تعرف كيف توازن بين استعادة القرار السياديّ وبين حماية السّلم الأهليّ، وبين الحاجة إلى وقف الحرب وبين تجنّب الانزلاق إلى انفجارٍ داخليّ.
المشكلة أنّ الوقت لا يعمل لمصلحة لبنان. إسرائيل توسّع حربها، وتلوّح بمزيدٍ من العمليّات، و”حزب الله” يواصل إطلاق الصواريخ، في حين أنَّ الحكومة محاصرةٌ بين ضغطين، ضغط الخارج الذي يطالبها بالفعل، وضغط الدّاخل الذي يعرف حجم التعقيدات والمخاطر. وبين الضّغطين، يقف الجيش اللبنانيّ بوصفه المؤسّسة الأكثر تماسكًا والأكثر حساسيّةً في آنٍ واحد، المطلوب منها الكثير، والمتاح لها أقلّ بكثير.




