كتب أنطوان الأسمر في اللواء:
دخل المشهد اللبناني مرحلة سياسية وأمنية مختلفة لم تعد تُدار وفق منطق إدارة الأزمات الموقتة أو احتواء التصعيد عند وقوعه، بل وفق مقاربة دولية تسعى إلى إنتاج واقع إقليمي جديد أكثر استقراراً وثباتاً. في قلب هذه المقاربة، يحتل لبنان موقعاً يتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي، ليصبح إحدى حلقات إعادة رسم التوازنات التي تعمل الولايات المتحدة على تكريسها في الشرق الأوسط بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في السنتين الفائتتين.
لا تمكن قراءة التحرك الأميركي الأخير تجاه بيروت باعتباره مجرد جولة ديبلوماسية. فالمرحلة الراهنة تختلف جذرياً عن السنوات السابقة التي اتّسمت بإدارة التوترات ومنع انهيار الأوضاع. ما يجري اليوم يوحي بأن واشنطن انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً عنوانها الانتقال من رسم التفاهمات إلى اختبار قابليتها للتطبيق، ومن وضع المبادئ العامة إلى مراقبة كيفية ترجمتها إلى وقائع سياسية وأمنية وإدارية ملموسة.
يحمل هذا التحول دلالات تتجاوز الداخل اللبناني نفسه. فالولايات المتحدة تنظر إلى الجبهة الممتدة من شرق المتوسط إلى الخليج باعتبارها مساحة أمنية مترابطة، بحيث لم يعد في الإمكان فصل أي ساحة عن الأخرى. من هذا المنطلق، يُنظر إلى الاستقرار في الجنوب بوصفه جزءاً من منظومة ردع إقليمية أوسع، تهدف إلى تقليص احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة وإلى إنشاء قواعد اشتباك أكثر صلابة واستدامة.
في هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، باعتبارها الجهة التي يُفترض أن تشكل الضامن الداخلي لأي ترتيبات مقبلة.
لم يعد الرهان الدولي يقتصر على دعم الاستقرار الاقتصادي أو تقديم المساعدات الإنسانية، بل بات مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرة الدولة على ممارسة دورها السيادي وإدارة التزاماتها السياسية والأمنية بصورة فعالة ومستدامة.
لا يتمثَّل التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان في قبول التفاهمات الدولية أو رفضها، بل في قدرته على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ ضمن بيئة داخلية شديدة التعقيد والانقسام.
أظهرت التجارب السابقة أن الاتفاقات السياسية غالباً ما كانت تصطدم بتباينات داخلية تعيق تنفيذها أو تؤخرها، مما أدى في كثير من الأحيان إلى فقدان الثقة الدولية بقدرة المؤسسات اللبنانية على الوفاء بالتعهدات التي تُمنح على المستوى الرسمي.
من هنا، تبدو المرحلة المقبلة أكثر حساسية من مرحلة التفاوض نفسها. فالتوقيع على أي تفاهم يبقى أسهل بكثير من تطبيقه، خصوصاً عندما يرتبط الأمر بقضايا أمنية وسيادية شديدة الحساسية. لذلك، ستتجه الأنظار الدولية في الأشهر المقبلة نحو مؤشرات الأداء العملي، لا نحو المواقف أو الخطابات السياسية. وسيصبح معيار النجاح مرتبطاً بمدى التزام الجداول الزمنية والإجراءات التنفيذية، لا بكمية التصريحات المؤيدة أو المعارضة.
في المقابل، تحمل المقاربة الأميركية رسائل مزدوجة تجمع بين الحوافز والضغوط في آن واحد. فمن جهة، تلوّح واشنطن بإمكان فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي إذا نجح المسار التنفيذي في تحقيق أهدافه. ومن جهة أخرى، تؤكد بصورة غير مباشرة امتلاكها القدرة على حماية هذا المسار ومنع القوى الإقليمية أو المحلية من تعطيله أو الانقلاب عليه.
لا يمكن تجاهل البُعد العسكري في هذه الرسائل. فالحديث الأميركي المتكرر عن مستويات الجاهزية والانتشار العسكري في المنطقة لا يرمي فقط إلى طمأنة الحلفاء، بل يشكل أيضاً رسالة ردع واضحة مفادها أن الولايات المتحدة تنظر إلى الترتيبات الجديدة باعتبارها جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع لن تسمح بسقوطها بسهولة أو إخضاعها للتجاذبات التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود.
أما لبنان، فيجد نفسه للمرة الأولى منذ سنوات أمام اختبار من نوع مختلف. فلا يتعلق الامتحان القائم بقدرته على تجنب الانهيار أو احتواء الأزمات فحسب، بل بقدرته على الانتقال إلى دور الدولة القادرة على التنفيذ وصنع الاستقرار. ويتطلّب هذا التحول مستوى عالياً من التنسيق بين المؤسسات الرسمية، كما يحتاج إلى إرادة سياسية تسمح بفصل الملفات السيادية عن الحسابات الفئوية والاعتبارات الآنية.
تأسيساً على ذلك، يجد لبنان نفسه في مرحلة مفصلية ستحدد موقعه في المعادلة الإقليمية لسنوات طويلة. فإذا نجح في التعامل مع الاستحقاق الجديد باعتباره فرصة لإعادة بناء دور الدولة ومؤسساتها، فقد يتمكن من استعادة جزء من الثقة الدولية المفقودة وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة سياسياً واقتصادياً. أما إذا عادت الانقسامات الداخلية لتفرض إيقاعها، يبقى خطر التعثر قائماً، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي وعلى موقع لبنان في النظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم على إيقاع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط.




