كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”:
بينما تتشابك التحديات الأمنية على جانبي الحدود بين لبنان وسوريا، يبدو أن وزارتي الداخلية في البلدين تحاولان الانتقال من التنسيق التقليدي إلى شراكة أمنية أكثر مباشرة، قوامها تبادل المعلومات والاستجابة السريعة، في محاولة لإغلاق الثغرات التي استغلتها التنظيمات الإرهابية و”الميلشيات” وشبكات التهريب خلال السنوات الماضية.
هذا المسار ترجم باجتماع موسع استضافته وزارة الداخلية في بيروت، جمع وزير الداخلية أحمد الحجار ومعاون وزير الداخلية السوري للشؤون الأمنية العميد ملهم الشنتوت، بحضور مسؤولين أمنيين من البلدين، تناول مختلف ملفات التعاون الأمني.
وفي حديث خاص لـ”نداء الوطن”، كشف الوزير الحجار أن اللقاء جاء استكمالًا لمسار بدأ في خلال لقاء جمعه بوزير الداخلية السوري أنس خطاب على هامش أداء مناسك الحج أفضى إلى اتفاق على تنظيم التعاون الأمني ووضعه ضمن إطار واضح وأكثر فاعلية، لتأتي زيارة الوفد السوري إلى بيروت بهدف “وضع أسس لتنسيق وتعاون يكون فعالًا وسريعًا ومنظمًا”.
وعمّا إذا كانت الاجتماعات تقتصر على التنسيق بين الوزارتين أو تتجاوز ذلك إلى التنفيذ، أكد الحجار أن التعاون يجمع بين الأمرين، وتبادل المعلومات يشكل العمود الفقري لهذا التنسيق، بحيث تنقل المعطيات المتعلقة بشبكات المخدرات أو المطلوبين أو الاعترافات التي تظهر خلال التحقيقات إلى الجانب الآخر، بما يسمح للأجهزة الأمنية بالتحرك سريعًا.
وكشف في هذا الإطار عن أن شعبة المعلومات أوقفت أخيرًا شخصية قيادية في تنظيم “داعش”، كانت تتولى مسؤولية داخل إحدى المحافظات في جنوب سوريا، بعد معلومات وفرها التحقيق اللبناني، مشدداً على أن تبادل المعلومات في مثل هذه العمليات يمكن أن يشكل نموذجًا يعكس أهمية التعاون الأمني المباشر في مواجهة التنظيمات الإرهابية.
وأوضح الحجار أن البحث شمل مختلف الملفات التي تقع ضمن صلاحيات وزارة الداخلية، وفي مقدمها المعابر الحدودية، وضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة المخدرات، والأمن الجنائي، إضافة إلى مكافحة تهريب الأسلحة والأشخاص، وخطة الحكومة اللبنانية لعودة النازحين السوريين لافتاً إلى أن ملف ضبط الحدود يبقى مسؤولية مشتركة بين أكثر من جهاز رسمي في البلدين، فيما يستمر التعاون بين الأجهزة المختصة في مكافحة المخدرات، مشيرًا إلى أن البلدين نفذا سابقًا عمليات أمنية مشتركة أسفرت عن نتائج ميدانية مهمة.
وفي ملف الأمن الجنائي، استعاد الحجار مثالًا عمليًا على مستوى التعاون بين الجانبين، كاشفًا أن التحقيق في جريمة المعاملتين في جونية، التي راح ضحيتها رجل وزوجته، أظهر أن المنفّذ سوريّ الجنسية فرّ إلى بلاده. وأوضح أن الأجهزة اللبنانية أرسلت فريقًا من قوى الأمن الداخلي لأخذ عينات الحمض النووي (DNA)، قبل أن تؤكد الفحوص تطابقها مع هوية المرتكب. وردًّا على سؤال حول إمكانية استرداده، أشار إلى أن هذا الأمر يعود إلى القضاء المختص، علمًا بأن المشتبه به مواطن سوري.
وحول الشحنة التي أعلنت السلطات السورية ضبطها أخيرًا، والتي قيل إنها كانت معدّة للتهريب إلى “حزب الله” داخل لبنان وتضم أسلحة ومسيّرات، أكد الحجار أن الجانب اللبناني لم يتبلغ أي معلومات رسمية بشأن هذه العملية. وقال إن أحد أهداف الاجتماعات الأخيرة يتمثّل في تعزيز آليات تبادل المعلومات بين البلدين، بما يضمن إبلاغ الجانب المعني بأي عملية ضبط. وأضاف أن لبنان سيتابع أي معلومات ترده عبر أجهزته الأمنية، موضحًا أن السلطات اللبنانية لم تتلقَّ حتى الآن أي تبليغ رسمي بشأن هذا الملف.
وعن موعد إعادة فتح معبر العريضة، كشف الحجار أن الأعمال الجارية على الجسر شارفت على الانتهاء، متوقعًا افتتاحه أمام حركة العبور خلال شهر أيلول المقبل، ليشكّل شريانًا إضافيًا يخفّف الضغط عن معبر المصنع. وأضاف أن العمل مستمر أيضًا على معبر العبودية، على أن يُعاد فتحه بعد الانتهاء من الأشغال القائمة فيه.
وفي ملف النازحين، أوضح الحجار أن الاجتماعات تناولت خطة الحكومة اللبنانية لعودة النازحين السوريين، مشيرًا إلى أن الجانب السوري أبدى تجاوبًا مع هذا الملف، وأن البحث تركز على تعزيز التنسيق بما يسهّل تنفيذ الخطة ضمن الأطر الرسمية بين البلدين.
إذًَا، بالمختصر، تبدو الاجتماعات الأمنية اللبنانية – السورية قد انتقلت من مرحلة تبادل الرسائل إلى محاولة بناء آلية تعاون مباشرة، تبقى فعاليتها مرهونة بقدرتها على ترجمة ما اتفق عليه إلى إجراءات ميدانية ملموسة، سواء في مواجهة الإرهاب، أو ضبط الحدود، أو مكافحة التهريب، أو إدارة الملفات المشتركة التي لا تزال تختبر العلاقة بين بيروت ودمشق.




