كتبت نادين سلام في “اللواء”:
تنعقد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية في ٢٠ تشرين الأول في قاعدة تامبا العسكرية بولاية فلوريدا، في محطة يفترض أن تتركز فيها المباحثات على الجوانب العسكرية والأمنية والميدانية، وفي مقدَّمها تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال البحث في المناطق التجريبية في الجنوب، ووضع آليات للحد من عمليات الهدم والجرف، وصولاً إلى ترتيبات الانسحاب التدريجي وتسليم المناطق إلى الجيش اللبناني. وتأتي هذه الجولة في مرحلة شديدة الحساسية، قبل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقرَّرة في ٢٧ تشرين الأول، وفي ظل استمرار التوتر الميداني وتعثر تنفيذ أجزاء من الإطار الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية.
ولا يمكن فصل المسار التفاوضي عن المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي. فانتخابات الكنيست المقبلة تشكل محطة مهمة بالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه منذ سنوات محاكمة في قضايا فساد، فيما يبقى مستقبله السياسي مرتبطاً بنتائج الانتخابات وقدرته على تشكيل ائتلاف حكومي. وفي مثل هذه الظروف، تبقى المخاوف اللبنانية من توظيف الملف الأمني أو التصعيد الميداني في الحسابات السياسية الإسرائيلية قائمة.
ومن هنا، لا تبدو الجولة الثامنة مناسبة للتوقعات المفرطة، بقدر ما هي اختبار لمدى قدرة الأطراف على الانتقال من تفاهمات الإطار إلى خطوات تنفيذية ملموسة. فالمطلوب لبنانياً هو وقف العمليات العسكرية، حماية المدنيين، وقف هدم المنازل وتجريف الأراضي، وتثبيت آلية واضحة للانسحاب وتسليم المناطق للجيش اللبناني، بما يسمح بعودة الأهالي وبدء مسار إعادة الإعمار. وقد سبق أن تضمن الإطار الأميركي ــ اللبناني ــ الإسرائيلي تصوراً لإنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات اللبنانية مسؤولية الأمن بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي.
وفي موازاة المسار الخارجي، تتقدم الأولوية الداخلية: تحصين الدولة وتخفيف التشنجات السياسية والطائفية، ووضع الخلافات جانباً عندما يتعلق الأمر بحماية لبنان وأهله. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى النبطية أهمية تتجاوز رمزيتها، لأنها تؤكد حضور الدولة في الجنوب وارتباط مسؤوليتها بإعادة الإعمار وتأمين العودة الآمنة إلى القرى والبلدات.
فالمعادلة التي تفرض نفسها اليوم هي أن الدولة القادرة والفاعلة تشكل الإطار الوحيد لحماية اللبنانيين وفتح الطريق أمام الدعم وإعادة الإعمار. وكلما تعززت مرجعية المؤسسات الرسمية، ضاقت مساحة الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار عملياتها، كما تراجعت فرص تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو إلى ورقة تفاوض في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.
وقد لخّص الرئيس الأميركي جون كينيدي، في خطاب تنصيبه عام ١٩٦١، أهمية الوحدة في مواجهة التحديات بقوله: «متحدين، لا يكاد يوجد ما لا نستطيع فعله؛ منقسمين، لا يكاد يوجد ما نستطيع فعله».
ولبنان، في هذه المرحلة تحديداً، ليس بحاجة إلى إجماع يلغي الاختلاف، بل إلى وحدة تحمي الدولة وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام يضعف موقع البلاد. لذلك تبقى الأولوية في المرحلة المقبلة لخفض التوتر الداخلي، ودعم مؤسسات الدولة والجيش، وحماية الجنوب وأهله، والضغط عبر القنوات الدبلوماسية لتنفيذ الالتزامات القائمة. فالدولة ليست خياراً ظرفياً في مواجهة أزمة عابرة، بل هي الإطار الثابت الذي يستطيع اللبنانيون من خلاله عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر، واستعادة سيادتهم وقرارهم وحماية مستقبل بلدهم.
أخبار متعلقة :