موقع دعم الإخباري

“اليونيفيل” تدخل مهلة الإسقاط لانتهاء مهمتها

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

دخلت مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) مرحلة العدّ التنازلي السريع نحو نهايتها المقررة مع نهاية العام الحالي، بعدما بات قرار إنهاء التفويض الذي أقرّه مجلس الأمن في آب 2025 واقعًا سياسيًا يصعب التراجع عنه في صيغته الحالية، ما لم تنجح الاتصالات الدولية الجارية في إنتاج إطار جديد يحافظ على حضور أممي عسكري، ولو بحجم مختلف ومهام معدّلة. ومع اقتراب موعد انتهاء المهمة التي شكّلت، طوال ما يقارب خمسة عقود، أحد أبرز عناصر الاستقرار النسبي على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، تتزايد المؤشرات إلى أن الأشهر المتبقية ستشهد مواجهة دبلوماسية مفتوحة بين اتجاه يدفع نحو الإقفال النهائي للبعثة، وآخر يسعى إلى إعادة تدويرها تحت مسمّى أو هيكلية جديدة تتلاءم مع التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة.

وتفيد معطيات دبلوماسية متقاطعة خاصة لـ”نداء الوطن” بأن عددًا من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وفي مقدمها الصين وروسيا وفرنسا، لا يزال يعتبر أن إنهاء الوجود العسكري الأممي بالكامل في جنوب لبنان يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل عدم ثبات ترتيبات وقف إطلاق النار واستمرار التوتر الميداني على طول الخط الأزرق. وبحسب هذه المعطيات، فإن هذه الدول تعمل منذ أسابيع على بلورة مقاربة مشتركة تقوم على الإبقاء على قوة أممية محدودة العدد والإمكانات، تتولى مهام المراقبة والارتباط والتنسيق ودعم الجيش اللبناني، بما يمنع نشوء فراغ أمني أو سياسي في منطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط.

ويكتسب هذا التوجه زخمًا إضافيًا بعد التقرير الذي رفعه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن، والذي رسم للمرة الأولى تصورًا عمليًا لمرحلة ما بعد اليونيفيل الحالية، من خلال طرح خيارات متعددة تتفاوت في حجم القوة المطلوبة وقدراتها التشغيلية. ويُنظر إلى هذا التقرير داخل الأوساط الدبلوماسية باعتباره قاعدة انطلاق للنقاش المرتقب داخل المجلس خلال الأشهر المقبلة، إذ إنه يوفّر الغطاء المؤسساتي لأي تحرك يهدف إلى الحفاظ على حضور أممي عسكري في الجنوب اللبناني بعد انتهاء التفويض القائم.

وفي موازاة ذلك، تبدو بيروت معنية بصورة مباشرة بهذا المسار، انطلاقًا من قناعة متنامية لدى المسؤولين اللبنانيين بأن أي انسحاب كامل للقوات الدولية في الظروف الراهنة سيضع الدولة أمام تحديات إضافية تتجاوز قدراتها الحالية، ولا سيما في ما يتعلق بمراقبة الحدود الجنوبية وتثبيت الاستقرار في المناطق التي تشهد مواجهات واسعة. كما أن تمدد إسرائيل في احتلالها لأجزاء واسعة من الجنوب يعزز الحاجة إلى جهة دولية قادرة على لعب دور الوسيط الميداني بين الأطراف المعنية.

وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة متمسكة بالمقاربة التي قادت إلى قرار إنهاء المهمة، انطلاقًا من مراجعة أوسع لدور عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وكلفتها المالية وفعاليتها الميدانية. كما أن إسرائيل تنظر إلى إنهاء التفويض الحالي باعتباره فرصة تتناسب مع أولوياتها الأمنية الجديدة. إلا أن هذا التوجه يصطدم بتحفظات متزايدة داخل مجلس الأمن، حيث ترى دول عدة أن غياب أي قوة أممية بديلة قد يفتح الباب أمام مرحلة من الضبابية الأمنية يصعب التحكم بنتائجها.

وتشير الأوساط الدبلوماسية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في إعادة إحياء اليونيفيل بصيغتها التقليدية، بل في ولادة إطار أممي أخف حجمًا وأكثر تخصصًا، يرتبط مباشرة بأي تفاهمات مستقبلية بين لبنان وإسرائيل حول ترتيبات الحدود البرية وتثبيت وقف الأعمال العدائية. وعليه، فإن الأشهر الفاصلة عن نهاية العام الحالي لن تكون مرحلة إدارية تسبق إسدال الستار على واحدة من أقدم بعثات حفظ السلام الدولية، بل ستشكّل فترة حاسمة لتحديد شكل الحضور الأممي المقبل في جنوب لبنان ودوره وحدود تأثيره في معادلة الأمن الإقليمي.

وبينما يقترب موعد انتهاء المهمة الحالية بوتيرة متسارعة، تبدو المعركة الحقيقية قد انتقلت إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث يجري رسم ملامح اليوم التالي لليونيفيل. فإما أن تنجح القوى الدولية الداعمة للإبقاء على حضور أممي في فرض تسوية تحفظ مستقبلا الاستقرار على الحدود الجنوبية، وإما أن يشهد لبنان للمرة الأولى منذ عقود انسحابًا شبه كامل للمظلة العسكرية الدولية من واحدة من أكثر جبهات المنطقة خطورة وتقلبًا.

أخبار متعلقة :