موقع دعم الإخباري

“الحزب” أمام خيارين: إما نكبة شيعية وإما الاستسلام

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

وكأننا محكومون بإعادة كتابة التاريخ، قسم التراجيديا بالذات، كعقوبة على قراءة التاريخ بعقل مفطور على الأدلجة السامة. نحفظ مرور الغزاة وسقوطهم، لكننا نتناسى الأثمان. نستحضر اجتياح عام 1982 لرجم اتفاقية “17 أيار”، لكننا نغفل التركيز على السياق الكامل للحدث وكارثيته. لا وزن للدماء، للمعاناة، للجغرافيا، للديموغرافيا، فقط المكابرة والكذب على الذات قبل أرتال النازحين.

بالأمس القريب كان الشعار “على الخيام ما بفوتوا”، ثم “عاجزون عن شك العلم على ملعب بنت جبيل”. وإسرائيل، كأي جماعة غازية تتعمد الدوس على الجراح واستهداف الرموز قبل المواقع، لذلك وضع عسكرها علمهم في المكان الذي ألقى فيه نصر الله “خطاب التحرير” عام 2000، ثم جعلوه يرفرف فوق “قلعة الشقيف” في مشهدية مفجعة تختصر حجم الانهيار. عمليًا، وبتوالي نداءات الإخلاء واتساع رقعة العمليات، أضحت مدينتا النبطية وصور تعيشان واقع السقوط العسكري، فيما نصل السيف يمتد ليطال البقاع، بموازاة صيدا ومناطق الثقل السني الساحلية الواصلة إلى العاصمة، في مؤشر على انهيار خطوط دفاع “حزب الله” عند تخوم الليطاني وما بعده، وأن الطريق صارت أسهل نحو الأعماق.

عام 1982، بدأت إسرائيل عمليتها العسكرية في 6 حزيران بعنوان إبعاد الفدائيين عن حدودها. وبعد سحابة أسبوع أصبحت دباباتها على “مثلث خلدة”، لتضرب حصارًا على بيروت استمر شهرين ونصف، لم ينتهِ إلا بخروج “منظمة التحرير” من لبنان. آنذاك انبرى الرئيس تقي الدين الصلح قائلا لأبو عمار: “هل لديك سلاح سرّي لم تستخدمه بعد؟ أو دعم سرّي من طرف دولي وعدك بالتدخّل في لحظة مفصلية؟ إذا كان لا هذا ولا ذاك فلِم تزيد عذابات أهل بيروت الذين احتضنوك”؟

اليوم، يعاد طرح السؤال نفسه على “الحزب”، بالنيابة عن بيروت وجبل عامل، حيث يجد نفسه اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في القتال والرهان على “معجزة” إيرانية، بما يهدد بنكبة شيعية قد تمتد آثارها لعقود تتبدّى مع سياسة تجريف الأراضي، وإما الاستسلام. المعضلة الأساسية أن “الحزب” لم يحسن يومًا إدارة الربح، ويجهل إدارة الخسائر. حينما كان يراكم الأرباح انفلش في الداخل على حساب الدولة والمجتمع، وحينما خسر تسبب بنكبة تاريخية.

فهو يدرك مدى افتقاره إلى مقومات الصمود بعد خسارته العمق السوري، وتفكك الحواضن المحلية حتى داخل مناطق نفوذه والطائفة الشيعية نفسها، حيث وصل الحال إلى رفض العديد من الأهالي استخدام منازلهم، فضلا عن استعانته بجحافل المقاتلين الأجانب في معركة يتحكم بزمامها الحرس الثوري. وتنقل الروايات المتداولة حصول عمليات تصفية للمنسحبين، ولو تكتيكيًا، ليصبح الخيار الوحيد المفروض ميدانيًا هو الموت بسلاح إسرائيلي أو بأيد إيرانية. كما أنه يعرف أن إيران ستبرم اتفاقًا مع أميركا عاجلا أم آجلا، وستكون مجبرة على بيعه. وبالتالي علام يراهن؟

وعليه، تقتضي الحكمة مواقف جريئة لإدارة الخسائر، خصوصًا عندما تكون هناك كارثة ماثلة أمام العين. وهذا ما فعله نداءا صور والنبطية، ومطالبتهما بإعلان كلتا المدينتين خاليتين من السلاح، وتسليمهما إلى الجيش اللبناني. بعيدًا من حملات الشيطنة والتخوين، تعبّر هذه المواقف عن تمرد على السلطة المعنوية لفكرة المقاومة بلا ضوابط، وتعكس إدراكًا متزايدًا بعدم القدرة على الاستمرار في تقديم القرابين ضمن حروب إقليمية مفتوحة.

من رحم النكبة الصغرى التي طاولت الشيعة على وقع مؤتمر “وادي الحجير” عام 1920 وآثار هيمنة ثنائي عصابي آخر هو أدهم خنجر وصادق حمزة، خرج هذان النداءان ليكونا الأساس الصلب في عملية فصل الجنوب والنبطية ولبنان عن صراعات المحاور للمرة الأولى منذ “اتفاق القاهرة”. ولذلك تعرّضا إلى عملية شيطنة منظمة.

الحقيقة المرة التي ينبغي على “الحزب” “تجرّعها” هي أن المخرج الوحيد هو وضع سلاحه بتصرف الدولة كي تحسّن موقفها التفاوضي من أجل الوصول إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل مقابل إيقاف سياسات التدمير وبرمجة الانسحاب من الأراضي، والإفادة من الكوّة التي فتحتها الإدارة الأميركية بقرار من ترامب لوقف الحرب. أما الاستمرار في استخدام لبنان كساحة وشيعته كقرابين، في ظل الانتشاء ببثّ الإعلام الإيراني صورة السيد نصر الله مع قيادات من النظام، وإصرار بعض مسؤوليه على أن “لبنان جزء من جسدنا ولن نتخلى عنه”، فلا يعدو سوى أقصر الطرق نحو نكبة شيعية تاريخية.

أخبار متعلقة :