الخليج علّق ضرب إيران: تحالف استراتيجي لحماية الأمن الإقليمي

الخليج علّق ضرب إيران: تحالف استراتيجي لحماية الأمن الإقليمي
الخليج علّق ضرب إيران: تحالف استراتيجي لحماية الأمن الإقليمي

 

كتب منير الربيع في “المدن”:

كانت ليلة 14 كانون الثاني 2026 حافلة بالتهديدات والاتصالات التي سارت على خطين متوازيين. ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتخذ قراره بتوجيه ضربات لإيران، كانت المساعي والمحاولات لتأجيل الضربة قائمة، فأصدر الإيرانيون مواقف تشير إلى وقف استخدام العنف ضد المتظاهرين وعدم إصدار أحكام بالإعدام بحقهم. بالتأكيد ليس هذا السبب الوحيد الذي أوقف الضربة، بل كانت تدور مفاوضات جدية وتقودها دول عربية ولا سيما خليجية لأجل الوصول إلى تفاهمات تجنب المنطقة حرباً واسعة. نجحت مساعي وقف الضربة، لكن ذلك لا يعني التخلي الأميركي عن النتائج التي يسعى الأميركيون إلى تحقيقها، وهي فرض مسار التغيير الكامل على إيران وفيها.

 

وفق المعلومات، السعودية لعبت دوراً أساسياً إلى جانب قطر وسلطنة عمان في الحد من الضربة الأميركية لإيران. وتشير مصادر ديبلوماسية إلى أن الاتصالات الخليجية استمرت مع الإدارة الأميركية لأجل الوصول إلى تفاهم مع الإيرانيين، وهو ما دفع بالسعودية إلى إبلاغ جهات عديدة بعدم استخدام أجوائها أو أراضيها لشن ضربات ضد إيران، وكذلك فعلت دولة قطر أيضاً. بقيت الاتصالات السعودية مستمرة ليلاً، وجرى التواصل بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ووزير الخارجية عباس عراقجي، إضافة إلى اتصالات خليجية ولاسيما بين وزيري خارجية السعودية وقطر. كما أن المساعي الخليجية مع الولايات المتحدة تركزت حول ضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة، واستقرار سعر النفط لأنه في حالة حصول تصعيد عسكري فإن أسعار النفط ستتأثر وهذا لن يكون في مصلحة الأميركيين. ووفق المعلومات، فإن بن سلمان وخلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية ولقائه ترامب أبلغه بوضوح أن إسقاط النظام في إيران سيؤدي إلى فوضى إقليمية، وان الهدف هو تثبيت الاستقرار الإقليمي. ووفق ما يقول مصدر ديبلوماسي عربي فإن “الأمور قد هدأت مبدئياً، والمسألة ترتبط بمسار المفاوضات والوصول إلى نتائج”. ويضيف المصدر: السعودية ودول خليجية أخرى خصوصاً قطر وسلطنة عمان هي التي عملت على إقناع ترامب بإعطاء إيران فرصة لتجديد المفاوضات الجدية والوصول إلى نتيجة.

عراقجي كان أحد أبرز الشخصيات التي تلعب دوراً تفاوضياً إلى جانب رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان لعدم حصول الضربة الأميركية والوصول إلى تفاهم مع الأميركيين. ذلك يمكن أن يمنح الرجلين دوراً أوسع في الداخل الإيراني، في المرحلة المقبلة. ولم يكن تفصيلاً أن يظهر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على قناة فوكس نيوز الأميركية المحسوبة على الجمهوريين والقريبة من دونالد ترامب. وذلك يتصل بالرسائل التي يوصلها إلى الأميركيين حول الاستعداد للتفاهم. وبحسب المعلومات، فإن التواصل بقي مستمراً بين عراقجي وويتكوف على الرغم من إعلان ترامب إلغاء التحضير للقاء بين عراقجي وويتكوف، وإن عراقجي هو الذي أبلغ ويتكوف بإلغاء عقوبة الاعدام بحق المتظاهرين. وتضيف المعلومات أن الرسالة التي جرى نقلها للأميركيين، هي تغيير طريقة التصرف مع المتظاهرين، وعدم إصدار أي حكم بالإعدام، بالإضافة إلى التفاوض الجدي مع واشنطن للوصول إلى اتفاق، وإدراج مسألتي وقف التخصيب والصواريخ البالستية على طاولة التفاوض بجدية.

هذا المسار، بحسب المصادر الديبلوماسية، سيؤدي إلى تعزيز دور الإصلاحيين في إيران في مواجهة المتشددين، وذلك لتجنيب البلاد الدخول في حرب ستكون تداعياتها وانعكاساتها كبيرة على المنطقة. عملياً، اقتنع جزء أساسي من أركان النظام في إيران باعتماد خيار التفاوض وتقديم تنازلات للأميركيين. وهذه التنازلات ستقود إلى تغيير المقاربات الإيرانية تجاه الوضع في المنطقة، والعلاقة مع أميركا وحتى في الملف النووي والصواريخ البالستية. وستكون إيران مستعدة للتفاوض بجدية حول معالجة هذا الملف العالق. وفي إطار المسار التفاوضي أيضاً، لا يمكن إغفال مسألة التفاوض مع طهران حول الوضع في المنطقة، وإنهاء حالة دعم حلفائها بالسلاح والمال، والمساهمة في إقناعهم بالدخول بتسويات سياسية، بعدما كانت إيران ترفض البحث بملفات المنطقة، ولا بد لذلك أن يدفع طهران لإقناع حلفائها بالانخراط في تسويات سياسية كما تفعل حركة حماس. وهو ما يسري على لبنان وحزب الله، والمساعي التي تبذل مع الحزب لأجل أن يتخلى عن فكرة السلاح والانتقال إلى الحالة السياسية الصرفة.

كل ذلك لا يلغي احتمال حصول ضربات موضعية أو دقيقة قد ينفذها الأميركيون ضد مراكز قوى أساسية داخل إيران، وقد تستهدف شخصيات تعيق الوصول إلى اتفاق، بالإضافة إلى إمكانية استهداف الصواريخ البالستية التي تهدد أمن المنطقة، أي ستكون الضربة مرتبطة بدفع إيران للتنازل والوصول إلى تفاهم. أما بحال حققت المفاوضات تقدماً وقدمت طهران التنازلات المطلوبة، فذلك سيبعد شبح العملية العسكرية. ويتعلق جانب من المفاوضات بأن أي ضربة يمكن أن تحصل لا يجوز أن تكون طويلة أو تؤدي إلى حرب في المنطقة. وهناك من يعتبر أن الضربة ستبقى قائمة ولكنها ترتبط بحسابات كثيرة لا يريد ترامب لها أن تؤثر على الأسواق العالمية. وكذلك، ستترافق الضربة مع تعزيز التفاوض للتفاهم حول المرحلة المقبلة في إيران وكيفية إدارتها.

في خلاصة المواقف الإقليمية أن الأساس هو للحفاظ على الاستقرار، ومنع حصول فوضى في إيران بفعل أي حرب أو عملية عسكرية أو إسقاط للنظام بطريقة دراماتيكية، لا سيما أن المستفيد الأول سيكون إسرائيل، وهذا لن يكون في مصلحة أي من دول الإقليم. هنا كانت تركيا على خط المفاوضات أيضاً، وكذلك روسيا التي بحسب مصادر ديبلوماسية عملت على نقل رسائل متبادلة بين إيران وإسرائيل حول عدم الدخول في صراع عسكري بينهما. وهذا يُعتبر أحد الأهداف الأساسية التي تريد واشنطن تحقيقها، أي عدم استمرار إيران كتهديد لإسرائيل. كما أنه ليس من مصلحة كل دول المنطقة حصول فوضى أو انهيار في أي دولة لأن ذلك سيكون في صالح إسرائيل. وهنا تجد دول الخليج نفسها معنية ببناء منظومة متكاملة لحفظ الأمن الإقليمي، وهو ما يجري بين السعودية وباكستان وإعلان تركيا الاستعداد للانضمام إلى هذا التحالف، وهذه الدول لا يمكنها أن تكون بعيدة عن إيران في إطار التكامل الإقليمي لرفع سدّ بوجه مشروع التوسع الإسرائيلي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أضرار جسيمة في ميناء لا غوايرا
التالى ويتكوف: إيران قد تقدم تنازلات