كتب منير الربيع في “المدن”:
لا تنفصل زيارة وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى لبنان، عن سياق اهتمام دولة قطر بإرساء الاستقرار في المنطقة ككل. تقدم قطر رؤيتها وتصورها الذي يتركز على ضرورة وقف الحروب ودعم الدول والمجتمعات، تنموياً واقتصادياً بشكل يكون متكاملاً مع الدعم السياسي والديبلوماسي لأجل توفير هذا الاستقرار والحفاظ على الدول بوحدتها ومؤسساتها.
الزيارة إلى لبنان لها دلالاتها وأبعادها خصوصاً من حيث التوقيت، إذ أن المنطقة تشهد تطورات متسارعة، وسط مساع تبذلها دولة قطر لمنع التصعيد، وهذا دور تقوم به بين الأميركيين والإيرانيين، ولديها الاستعداد لمساعدة لبنان من خلال علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية لأجل ضمان تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار. وتشمل الرؤية القطرية مسألة التكامل والتعاون بين الدول ولا سيما بين لبنان وسوريا لما سيكون لذلك من انعكاسات إيجابية على وضع البلدين والمنطقة. تعاطى لبنان بإيجابية مع الزيارة القطرية واعتبرها بداية مسار، وسط رهان حقيقي لدى المسؤولين اللبنانيين على دور قطر وعلاقاتها القوية مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يعتبره لبنان فرصة جدية للاستثمار بذلك في سبيل الضغط الأميركي على إسرائيل لوقف الضربات والاعتداءات.
وتعليقاً على زيارته إلى بيروت، يؤكد الوزير الخليفي لـ”المدن” أن اجتماعاته التي عقدها مع المسؤولين اللبنانيين كانت على جانب كبير من الأهمية، خصوصاً لجهة التوقيت المهم جداً في ظل ما يحدث في المنطقة من تصعيد. مؤكداً أن قطر مهتمة جداً بمتابعة الأوضاع في لبنان ومواكبة مبادرات التهدئة والتشديد على رفض التصعيد والسعي إلى منعه.
تعاون بكل المجالات
يشير الخليفي إلى أن لقاءاته ركزت على الدعم والمساعدة في المجالات المختلفة، وهو ما جرى التأكيد عليه في الاجتماعات ولا سيما الاجتماع الذي عقد في السراي الحكومي، وانقسم إلى قسمين، الأول هو اللقاء مع رئيس الحكومة نواف سلام. والثاني هو الاجتماع الموسع مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء ولا سيما نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزراء الخارجية، المالية، الصحة، الاقتصاد، الطاقة، الأشغال العامة والنقل والشباب والرياضة. مؤكداً أن: “دولة رئيس الحكومة مهتم بفتح مجالات التعاون مع قطر بكل المجالات وتجاوز أي عقبات، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتسهيل المشاريع المشتركة والتعاون في مجالات الصحة، التعليم، والفئات الناشئة، والطاقة، لا سيما دعم قطاع الكهرباء، إذ تقدم دولة قطر منحة بقيمة 40 مليون دولار، وكذلك مشروع اقتصادي لدعم القطاع نفسه بقيمة 360 مليون دولار ليستفيد منها نحو مليون ونصف مليون مشترك في معظم المناطق اللبنانية.
الجيش مظلة الاستقرار
يبقى الأهم هو الدعم الذي تقدمه قطر للجيش اللبناني، وهو مسار انطلق قبل أربع سنوات على صعيد توفير رواتب الجيش بالإضافة إلى إمداده بالمحروقات والمساعدات الطبية والآليات. في هذا السياق، يشير الخليفي إلى أن قطر تؤمن بأن الجيش اللبناني هو الركيزة الأساسية التي يجب أن تكون صلبة لحماية لبنان وسيادته ووحده، مشدداً على ضرورة دعم الجيش لأنه المؤسسة الوطنية المحورية التي تشكل مظلة الأمن والاستقرار للبنان. ويلفت الخليفي إلى الاهتمام بدعم الجيش، وهو ما تتفق عليه الدول التي ستعقد مؤتمراً في باريس، على أن يسبقه اجتماع تحضيري بالتنسيق مع الدول الخمس، وعلى الرغم من عدم تحديد مكان وموعد لهذا الاجتماع، فإن دولة قطر ترحب باستضافته، كما تبدي استعدادها للمشاركة فيه في أي مكان يتم الاتفاق عليه. لافتاً إلى أن قطر ستواصل تقديم الدعم اللازم للجيش لتعزيز وضعيته والاهتمام برواتب عناصره.
400 ألف لاجئ
جوهرة المشاريع الأساسية لقطر في لبنان هي دفعه مع سوريا إلى التعاون بينهما وخصوصاً في ملف إعادة اللاجئين، وهو ما يحصل بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية، ويشير إلى أن المسار بدأ من خلال المرحلة الأولى التي ستطال 100 ألف لاجئ، على أن تستمر المراحل اللاحقة لإعادة 400 ألف لاجئ، وصولاً إلى السعي لإعادة كل اللاجئين. ويقول الخليفي: “هذا المشروع يطال جوانب مختلفة، أهمها تعزيز الأمن، توفير ظروف انخراط العائدين إلى بلادهم في المجتمع، وتوفير الغذاء والدواء لهم في الأشهر الأولى لعودتهم”. ويشير إلى أن ذلك يتم من خلال التنسيق بين لبنان وسوريا وقد تحققت نجاحات فعلية على هذا الصعيد.
مسار إعادة الإعمار
لا تغفل الدوحة التحديات الأكبر التي يواجهها لبنان، وهو بالتحديد تطورات الوضع في الجنوب، وضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إطلاق مسار إعادة الإعمار. هذا الملف هو في صلب اهتمامات دولة قطر في لبنان. ويكشف قائلاً: “صحيح أنني لم أعلن في كلامي عن مسار إعادة الإعمار، ولكن هذا الملف أساسي وقد ناقشته مع المسؤولين اللبنانيين، وهذا الأمر يحتاج إلى مسار سياسي واضح وتثبيت الاستقرار الأمني في الجنوب ومنع الاعتداءات. ويشير إلى أنه يتم العمل على الوصول إلى صيغة تثبت الأمن والاستقرار في الجنوب بما يتيح إطلاق مسار إعادة الإعمار. في هذا السياق يستشهد بما جرى في غزة قائلاً: “هذا الأمر ينطبق على ما جرى في غزة، أي البدء بمعالجة الوضع الأمني ووقف الحرب، بالإضافة إلى معالجة الوضع السياسي وبعدها يتم إطلاق مسار إعادة الإعمار.
قلق دولي وإقليمي مشترك
ويكشف الخليفي عن التواصل مع الدول الخمس المعنية بلبنان لأجل تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، مع الإشارة إلى أنه لا بد من العمل على وضع آلية لتطبيقه. ويلفت إلى أن المشاورات السياسية تنقسم إلى قسمين، الأول مع الأفرقاء اللبنانيين ومع الخماسية، وذلك بهدف وضع رؤية مشتركة حول مبادرات خفض التصعيد، خصوصاً أن خفض التصعيد في المنطقة ينعكس على لبنان. وهنا يعبّر الخليفي عن قلق دولي وإقليمي مشترك من احتمال حصول تصعيد، فالتوترات التي يشهدها الإقليم “تقلقنا، ولا سيما بسبب تأثيرها المباشر على لبنان، وأي تصعيد ستشهده المنطقة سينعكس على لبنان، لذا يجب المساهمة في خفض التصعيد وهو دور أساسي تقوم به قطر من خلال علاقاتها واتصالاتها، وهو ما عملت عليه من خلال التواصل مع الأميركيين والإيرانيين”، مشدّداً على أن قطر مستمرة بدورها المبني على تشجيع الحوار وخفض التصعيد.




