كنبت أمل شموني في “نداء الوطن”:
يعكس انطلاق المحادثات الأمنية المتوازية بين لبنان وإسرائيل في 29 أيار تحولًا هادئًا لكنه بالغ الأهمية في كيفية مقاربة الطرفين لمشهد ما بعد تشرين الثاني 2024، إذ لم يعد الأمر مجرّد مسار وحيد لتثبيت وقف إطلاق النار، بل أصبح تفاوضًا متعدّد الطبقات حول السيادة، والردع، ومستقبل سلاح “حزب الله”.
وفي قلب “المسار العسكري” الجديد تكمن أساسيات أبرزها أن إسرائيل تدخل المحادثات لمعالجة ما تعتبره تهديدًا أمنيًا لم يُحسم بعد، أي ترسانة “حزب الله” ووجوده جنوب نهر الليطاني، بينما يركّز لبنان على الحد من النشاط العسكري الإسرائيلي وتسريع الانسحاب النهائي للقوات الإسرائيلية من المناطق المتنازع عليها في الجنوب. والنتيجة ليست أجندة مشتركة، بل أجندات متداخلة قد يصعب التوفيق بينهما.
فبحسب مصادر دبلوماسية أميركية، يهدف “مسار البنتاغون” إلى إيجاد بدائل لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الثاني 2024، والذي شهد التباسات في التنفيذ. التحضيرات لهذه الجولة سبقتها ضغوط ميدانية إسرائيلية وضغوط سياسية أميركية متزايدة لإيجاد آلية واقعية لضبط الحدود، وتدعيم دور الجيش، ضمن إشراف أميركي مكثف: Mechanism on steroids.
بروز استراتيجية المسارين
جاء قرار فصل المسارين السياسي والأمني بعد أكثر من عام ونصف العام من إخفاق تنفيذ وقف إطلاق النار. عمليًا، تعثر هذا المسعى. فقد وثقت التقارير العسكرية استمرار تموضع “حزب الله” في جنوب لبنان، بما في ذلك إعادة بناء شبكات الأنفاق ومستودعات الأسلحة، رغم الضربات الإسرائيلية والردود اللبنانية المحدودة. وقدّر مسؤولون إسرائيليون وأميركيون علنًا أن “حزب الله” لا يزال يحتفظ بآلاف من الصواريخ، بينها أنظمة دقيقة التوجيه، حتى بعد الاستهداف الإسرائيلي المستمر.
في هذا السياق، تشير مصادر أميركية الى أن إسرائيل تُقدِم المحادثات العسكرية الجديدة كمحاولة لفرض هيكلية على ما أصبح حلقة مفرغة من الضربات والردود المحدودة اللبنانية. الهدف ليس مجرّد التنسيق، بل الضغط: ربط إعادة انتشار إسرائيل وضبط النفس بخطوات لبنانية ملموسة ضد “حزب الله”.
من هنا يتبنى الإسرائيليون استراتيجية هجينة تمزج بين الإكراه والدبلوماسية المشروطة.
من جهة، يُتوقع أن يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته من الضربات الموجهة، والغارات الاستخباراتية، والحفاظ على المواقع الأمامية في أجزاء من جنوب لبنان، لإضعاف قدرات “حزب الله” وإظهار الجدية. ويتماشى هذا مع عقيدة إسرائيل المعروفة في “السيطرة التدريجية” أي (mowing the grass)، ولكن مع بُعد سياسي إضافي: التأثير على دوافع “حزب الله” قبل المفاوضات.
في الوقت نفسه، تُشير إسرائيل إلى مرونة في تسلسل العمليات. ووفقًا لمصادر أميركية، قد تكون إسرائيل مُستعدة لتوزيع انسحابها تدريجيًا أو تخفيف وتيرة الضربات إذا أظهر الجيش اللبناني قدرةً فعّالة على فرض سيطرته، لا سيما في المناطق التي تم تطهيرها بالفعل من بنية “حزب الله” التحتية.
المنطق هنا دائري لكنه مقصود: كلما فعل الجيش اللبناني المزيد، تراجعت حاجة إسرائيل للعمل العسكري؛ ومع ذلك، يُنظر إلى استمرار الضغط الإسرائيلي كعامل ضروري لدفع “حزب الله”، وبالتالي بيروت، نحو تقديم تنازلات.
غير أن هذا النهج المزدوج يعكس شكوكًا في الأوساط الأمنية الإسرائيلية حول استعداد لبنان للمضي قدمًا. إذ اعتمدت الآليات السابقة، بما في ذلك ترتيبات المراقبة المدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا بعد وقف إطلاق النار عام 2024، اعتمادًا كبيرًا على الاستخبارات الإسرائيلية، وأسفرت عمّا وصفه المسؤولون الأميركيون بأنه تطبيق لبناني “جزئي ورد فعلي”.
بالنسبة للبنان، يكشف المسار العسكري عن معضلة داخلية أعمق: هل الدولة عاجزة أم غير راغبة في مواجهة حزب الله؟
وتقول المصادر الأميركية أنه لطالما صاغ المسؤولون اللبنانيون المسألة على أنها مسألة قدرة. فالجيش اللبناني، الذي أنهكه الانهيار الاقتصادي ويعتمد على المساعدات الخارجية، يفتقر إلى الموارد والدعم السياسي اللازمين لمواجهة جهة فاعلة غير حكومية مسلحة تسليحًا جيدًا ومتجذرة في النظام السياسي اللبناني.
لكنّ الكثيرين في واشنطن يرون أن هذا القيد سياسي في جوهره. إذ تجنبت الحكومة المواجهة المباشرة مع “حزب الله” ليس فقط خشية التصعيد، بل أيضًا بسبب ديناميكيات تقاسم السلطة الراسخة والصدمة المستمرة لاشتباكات أيار 2008، حين سيطر “حزب الله” لفترة وجيزة على أجزاء من بيروت بعد محاولة الحكومة تفكيك شبكة اتصالاته. وأصبح مفهوم “التوافق الوطني”، الذي كثيراً ما يستشهد به القادة اللبنانيون، محوراً للخلاف. وقد عمل في الواقع كآلية نقض، مما سمح لـ”حزب الله” وحلفائه بعرقلة القرارات التي تهدد استقلالهم العسكري.
يطرح هذا الأمر سؤالاً جوهريًا للمحادثات العسكرية: هل تستطيع الدولة اللبنانية التحرّك بحزم دون موافقة طائفية واسعة، أم أن سياسة التوافق تضمن استمرار الشلل؟
تحاول الولايات المتحدة التأثير على هذه الديناميكية من الخارج، وكان آخرها جولة جديدة من العقوبات التي استهدفت ليس فقط شخصيات “حزب الله”، بل أيضاً أفراداً من الأجهزة الأمنية. فإدراج المسؤولين الأمنيين يمثل تصعيدًا لافتًا ويعكس قلقًا أميركيًا متزايدًا من اختراق وتنسيق بين مؤسسات الدولة و”حزب الله”. وهو قلق تكرر في تقارير الكونغرس وقرارات وزارة الخزانة خلال العقد الماضي.
تهدف العقوبات إلى غرضين: أولًا، التأكيد أن الدعم الأميركي للجيش اللبناني، الذي تجاوز 3 مليارات دولار منذ 2005، لن يكون مفتوحًا بلا شروط؛ وثانيًا، الضغط على المسؤولين اللبنانيين لاتخاذ تدابير داخلية، بما في ذلك تهميش أو عزل المسؤولين المتهمين بالتعاون.
فجوة المصداقية
في نهاية المطاف، تؤكد المصادر الأميركية أن نجاح المسار العسكري سيتوقف على متغيّر واحد: المصداقية (Credibility).
إذ تشكك إسرائيل في أن لبنان سينفذ عملية نزع سلاح حقيقي؛ بينما يشكك لبنان في أن إسرائيل ستوقف عملياتها. أما “حزب الله”، ورغم عدم وجوده المباشر على طاولة المفاوضات، فإنه يحتفظ بالقدرة على تعطيل كلا المسارين من خلال التصعيد.
وتقول المصادر الأميركية إن التجارب السابقة تعزز هذا الشك. ففي أعقاب وقف إطلاق النار لعام 2024، نفذ الجيش اللبناني عمليات محدودة في جنوب لبنان، غالبًا ما كانت تحظى بموافقة ضمنية من “حزب الله” وتستند إلى معلومات استخباراتية مقدّمة من جهات خارجية. غير أن هذه الجهود قصّرت عن تفكيك البنية التحتية للمجموعة، ولم تمتد بشكل ملموس إلى شمال نهر الليطاني.
وفي غضون ذلك، يشير المسؤولون الأميركيون إلى الاكتشافات الإسرائيلية المستمرة لمخابئ الأسلحة في مناطق تخضع اسميًا لسيطرة الجيش اللبناني، معتبرين ذلك دليلاً إمّا على العجز أو على التواطؤ. ويشدّدون على ضرورة كسر هذه الحلقة والخروج عمّا وصفه أحد الدبلوماسيين الأميركيين بأنه “نمط مألوف”: وعود لبنانية، وتنفيذ جزئي، ومناشدات للحصول على مزيد من الوقت والمساعدة.
في المحصّلة، يشير إطلاق المحادثات العسكرية اليوم إلى أن كلا الجانبين يرى قيمة ما في اختبار إطار عمل جديد، حتى وإن ظلّت التوقعات منخفضة.
ويؤكد الأميركيون أنه بالنسبة لإسرائيل، توفر المحادثات مسارًا محتملاً لتقليل انكشافها العسكري على طول حدودها الشمالية من دون تقديم تنازلات بشأن مطالبها الأمنية الجوهرية. فيما تتيح للبنان فرصة لإعادة ترسيخ سلطة الدولة بشكل تدريجي على الأقل، بينما يسعى للحصول على متنفس من العمليات الإسرائيلية المستمرة.
غير أن نافذة التقدم قد تكون محدودة! وبعبارة أخرى، قد لا يقتصر المسار العسكري على كونه مجرّد تفاوض حول عمليات الانتشار والأسلحة، بل هو اختبار لما إذا كان لبنان قادرًا على ترجمة سيادته الرسمية إلى سيطرة فعلية، وما إذا كانت إسرائيل مستعدّة لمعايرة استخدام القوة بما يخدم تحقيق تلك النتيجة.




